رهاب الحشود يمنع المصاب من الخروج

مقالات

يعاني بعض الأشخاص عدم تحمل فكرة التواجد في الأماكن المفتوحة أو المزدحمة؛ حيث يصابون بحالة من التوتر، ويمكن أن يصل الأمر في بعض الحالات إلى نوبات من الذعر والهلع.
ويطلق على هذا النوع من الاضطراب رهاب الميادين أو الحشود، وربما وصل الأمر بالنسبة لبعض المصابين به إلى التزامهم منازلهم، وعدم الخروج منها؛ ولذلك فإن هذا النوع من الخوف المرضي يعد الأصعب والأكثر تقييداً لحركة المصابين به بين جميع أنواع الفوبيا.
و يشير الأطباء والباحثون إلى أن الشخص يصاب في الأغلب بفوبيا الحشود بعد تعرضه لحادث رضحي، ويكون في الأغلب في بدايات العشرينات، وتعد النساء أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب.
تظهر الدراسات والإحصاءات أن ثلثي المصابين بهذا الخوف المرضي هم من النساء، كما أن نسبة المصابين به تتجاوز 5%، ومن المثير للدهشة أن الأطفال لا يصابون بهذا النوع من الرهاب إلا في حالات نادرة للغاية.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة رهاب الحشود بكل تفاصيلها، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعراضها التي تميزها عن غيرها من الحالات المتشابهة، ونقدم طرق الوقاية التي ينصح بها الباحثون، وكذلك أساليب العلاج المتبعة والحديثة.

كلمة من شقين

يعرف رهاب الميادين بالأجورافوبيا، وتعني كلمة أجورا، وهي الشق الأول، المكان الذي كان الناس يجتمعون فيه بالمدن اليونانية القديمة، في حين أن الشق الثاني تعني الخوف.
ويخشى المصاب بهذا الاضطراب من التواجد في الأماكن العامة أو المزدحمة أو المفتوحة بعيداً عن البيت أو البيئة الآمنة؛ وذلك لافتقاد السيطرة على الأمور وحدوث مفاجآت غير جيدة، وهو تبرير غير منطقي للخوف الذي يعانونه.
ويحاول في الأغلب المصابون إخفاء هذا الأمر، وهم لذلك يتجنبون أي احتمال للتواجد في هذا الوضع المخيف من جانبهم.
ويعطون أسباباً واقعية لما يعانونه، كالخوف من التعرض لأي هجوم، إلا أنهم يعتقدون بفقد صواب تصرفاتهم وأفكارهم.

مؤثر بشكل خطر

وتبين دراسة كندية حديثة أن رهاب الحشود يعد مؤثراً في حياة المصاب بشكل خطر؛ لأنه يحد من أدائه لوظائفه ونشاطه الخارجي بصورة كبيرة، وربما أدى كذلك إلى عدم قدرة المصاب على المرور من أماكن متعددة؛ بسبب تواجد أعداد كبيرة من الأفراد.
ويتسبب عدم قدرة المصاب على تجنب الحشود والأماكن المزدحمة في إصابته بالقلق وعدم الارتياح والذعر، وربما عانى بعض المشاكل الجسمانية، كضيق التنفس وزيادة التعرق، وربما وصل الأمر مع البعض لإحساسه أنه يتعرض لأزمة قلبية.
ويحتاج المصاب بهذا النوع من الفوبيا إلى تلقي العلاج، وبالذات في الحالات التي تتأثر حياتهم، وينقسم العلاج إلى النوع النفسي الذي يعتمد على العلاج السلوكي المعرفي، وعلاج دوائي، وهو بالنسبة لمن يعانون نوبات هلع أو من توتر شديدة.
ويتم وصف بعض مضادات الاكتئاب والمهدئات لهم، مع مراعاة أن يكون هذا العلاج تحت إشراف طبي، والالتزام بالجرعات الموصوفة، حتى لا يقع الشخص في براثن الآثار الجانبية لهذه الأدوية.

مضاعفات الذعر

يشير بعض الباحثين إلى أن رهاب الحشود يعود في بعض الحالات إلى مضاعفات الإصابة بنوبات الذعر، وهي نوبات توتر شديدة تصيب بعض الأشخاص في مواقف بعينها.
وتظهر هذه المشكلة حينما يربط الشخص بين نوبات الذعر وبعض الأماكن أو المواقف، ما يؤدي إلى أن يكون خائفاً من تكرار الأمر مرة ثانية.
ويبدأ هذا الخوف المرضي من كل مكان عام؛ من خلال حادث ذعر وقع في ظروف معينة وترسخ في ذهنه، ما يدفع المريض إلى أن يتجنب هذه الأماكن التي وقع فيها حادث الذعر الأول.
وتزيد مساحة التجنب لدى المصاب بهذا الاضطراب بمرور الوقت، ويزيد عدد الأماكن التي يتجنبها، وفي المقابل تتقلص مساحة الاطمئنان لديه، وربما وصلت المشكلة في بعض الأحيان إلى أن يشعر الشخص أنه سجين المنزل.

المواقف الضاغطة

تتسبب بعض العوامل في زيادة حدة مشكلة رهاب الحشود، ومن ذلك التعرض إلى مواقف ضاغطة في الحياة، بما في ذلك ما يحدث من اعتداءات خلال مرحلة الطفولة.
وتشمل كذلك ميل الشخص إلى حالة التوتر والقلق، والإدمان على الكحول والمخدرات، كما أن الإناث تكون نسبة إصابتهن أعلى من الذكور.
ويمكن أن يكون للتجارب السابقة المرتبطة بالحشود أو المساحات المزدحمة الدور البارز في الإصابة بهذا النوع من الخوف المرضي، وبنفس الطريقة يتطور الرهاب، ويزيد الخوف المرضي لدى المصاب؛ نتيجة تصور حدوث كوارث كبرى في الأماكن المزدحمة كملاعب كرة القدم وغيرها.
وينبغي التوجه إلى الطبيب عندما يزيد الإحساس بالخوف إلى الحد الذي يجعله أكثر تمسكاً بالبقاء في البيت، وإلى الدرجة التي تؤثر في أنشطة حياته.

نوبات الهلع

تشمل أعراض مرض رهاب الميادين حدوث نوبات من الهلع، والتي يتعرض لها حوالي نصف المصابين بهذا الاضطراب، ويتخيل المصاب مجموعة من المخاوف المختلفة، كالخوف من الاختناق أو الإصابة بنوبة قلبية، والخوف من الضياع أو السقوط. ويخاف المصاب بفوبيا الحشود أن يجد نفسه وحيداً في أي موقف، وأن يفقد السيطرة على نفسه في مكان عام، والخوف من التواجد في مكان تكون مغادرته بصورة مفاجئة صعبة، كالمصعد أو القطار المتحرك أو المسرح أو السينما؛ بل في بعض الأحيان الشوارع المزدحمة.
ويرتبط المصاب بسبب هذه المشاعر بالبيت ولا يستطيع أن يغادره لفترات طويلة، ويصاحب خروجه منه في الأغلب حدوث شعور بالقلق وزيادة دقات القلب، والشعور بالاختناق، وبأن هناك أمراً ما رهيباً سوف يقع، ويشعر بقلة الحيلة والاعتماد على الآخرين بشكل مبالغ فيه.
وتظهر على المريض بفوبيا الحشود مجموعة من العلامات الجسدية؛ حيث يعاني الدوخة وصعوبة في التنفس، والتعرق الزائد، ورغبة في القيء، إضافة إلى آلام في الصدر.

سلوكي ومعرفي

توجد بعض الطرق والأساليب لعلاج رهاب الحشود، وتشمل العلاج النفسي والأدوية، وأثبت العلاج السلوكي المعرفي أنه ناجح وفاعل في كثير من الحالات التي أصيبت بهذا الاضطراب.
ويعتمد هذا الأسلوب من العلاج على مجموعة من التقنيات، كإعادة الهيكلة المعرفية للمريض، وهي ما تجعله يدرك أن أفكاره السلبية تجاه الحشود – والتي يعانيها – ليست عقلانية.
وتفيد تقنيات الاسترخاء في التخفيف من أعراض حالة القلق، وتقليل حدة هذه الأعراض التي يعانيها المريض في الأوقات التي يظهر فيها هذا الاضطراب.
وتعد تقنية التعرض للعلاج المثالي لهذه الحالة مفيدة للغاية؛ حيث يتم تعريض المصاب للعناصر التي تثير الخوف لديه بشكل تدريجي، مع إكسابه لاستراتيجيات المواجهة الفاعلة، وفي هذا النوع من الخوف المرضي فإن المريض يتم تعرضه للحشود أو التواجد في الأماكن المزدحمة.
ويكون التعرض من خلال الواقع الافتراضي أو الخيال؛ وذلك لأنه من الصعب في أحيان كثيرة إقامة معرض مباشر، ومن خلال هذه الفكرة يعتاد المصاب على الحشود، وبالتالي يبدأ خوفه المرضي يقل بمرور الوقت.

أشكال أخرى

يمكن اللجوء إلى أشكال أخرى من العلاج النفسي، كالقبول والعلاج بالالتزام، وكذلك العلاج المعرفي على أساس اليقظة، وتحقق نتائج جيدة في علاج اضطرابات القلق، بحسب الدراسات التي أجريت في هذا الشأن من أجل التأكد من جدواها.
ويفضل بالنسبة للعلاج الدوائي أن يكون تحت إشراف طبي أو نفسي، وبالجمع بينه وبين العلاج النفسي، ولا يكون إلا في الحالات الشديدة.
ويمكن أن يؤدي استخدام هذه الأدوية في البداية بصورة غير سليمة إلى تفاقم الحالة؛ ولذلك لابد أن تكون الجرعات محسوبة من خلال الطبيب المختص.
وتشمل هذه الأدوية على مضادات الاكتئاب والمهدئات؛ وذلك بالنسبة للحالات التي تكون مصحوبة بنوبات من الهلع والتوتر الشديد.

طرق مساعدة

تشير دراسة أمريكية حديثة إلى توافر مجموعة من الطرق الهدف منها جعل المصاب بفوبيا الحشود يتغلب على خوفه المرضي، ومن ذلك الاستعانة في المشي بأحد الحيوانات الأليفة، أو بعصا للمشي أو مظلة.
كما يقول أحد الباحثين: إنه يمكن كذلك الاستعانة بعربة طفل أو عربة تسوق، وهناك من يلجأون إلى استخدام النظارات الشمسية، ومن يفضلون الخروج في الظلام، ويفيد في بعض الحالات تناول أقراص مهدئة، وذلك لتقليل تأثير الخوف.
وينصح الباحثون المصاب بهذا الاضطراب بالاستعانة بالأسرة والأصدقاء، ومحاولة التعود على الخروج بشكل تدريجي وزيارة الأماكن المفتوحة.
ويفيد كذلك تعلم مهارات الاسترخاء والهدوء، والتي تجعل الشخص يضع مخاوفه في الحجم الحقيقي، ولا يبالغ في تصورها.
ويجب على المصاب أن يلتزم بالبرامج الموضوعة لعلاجه، مع مناقشته لمخاوفه مع الآخرين، وتعتبر ممارسة الرياضة وتناول الغذاء الصحي من الأمور المفيدة كذلك.
وتتوافر حالياً بعض التطبيقات المختلفة على الهواتف النقالة، والتي تساعد المريض في الاستفادة من برامج علاج هذا الخوف المرضي، باستخدام تقنية الواقع الافتراضي.