أزمة منتصف العمر مشكلات اجتماعية وتغيرات هرمونية

مقالات

يمر الشخص بعدة مراحل صحية على مدى عمره، والتي تبدأ بالطفولة ثم المراهقة ثم منتصف العمر، وأخيراً فترة الشيخوخة، وبالطبع فإن لكل فترة من هذه المراحل طبيعة نفسية تختلف من فرد لآخر، وتحتاج إلى فهم وتعامل مختلف.
وتعد مرحلة منتصف العمر على نفس أهمية وخطورة مرحلة المراهقة، لأنها مرحلة انتقالية طبيعية يمر بها أغلب الأشخاص، رجالاً ونساء، وترتبط بعدد من التغيرات البيولوجية والهرمونية.
تشير الدراسات إلى أن غالبية الأفراد يؤمنون بأزمة منتصف العمر، وحوالي 50% ممن هم فوق الخمسين يشكون من بعض المعاناة خلال هذه المرحلة.
ويصاحب هذه المرحلة تغير هرموني، وهو أبرز الأعراض، والذي يتعرض له الجنسان، وإن كان يتفاوت من شخص لآخر، كما أن المتزوجين وغير المتزوجين عرضة للإصابة بهذه الحالة.
وتتعلق أزمة منتصف العمر بالعمل أو المسيرة المهنية، والعلاقات الاجتماعية والشخصية، وأخيراً عدد الأبناء وطريقة تربيتهم.
ونتناول في هذا الموضوع غالبية المشاكل التي تحدث في مرحلة منتصف العمر، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الأزمة، وكذلك أعراضها التي تظهر، وطرق الوقاية التي ينصح بها الباحثون، وكذلك أساليب العلاج المتبعة والحديثة.

الرجال والنساء

تشير دراسة بريطانية حديثة إلى أن أزمة منتصف العمر غالباً ما تبدأ في عمر 50 عاماً، ولكن بعض الدراسات الأخرى أثبتت أن هناك من يدخل فيها في عمر أصغر من ذلك، بين الثلاثين والأربعين.
وتصيب أزمة منتصف العمر الرجال والنساء على حد سواء، وتعتبر مرحلة انتقالية تبدأ عند الأربعين، وتستمر إلى ما بعد الستين، وتوجد أدلة قوية على أن مستوى الرضا عن الحياة ينخفض خلال هذه المرحلة.
وأشارت الدراسات الاستقصائية السكانية السابقة إلى أن النساء والرجال يشعرون بأدنى مستويات الرضا في هذه المرحلة.
ويوضح بعض الباحثين أن ثمة اختلافاً بين الرجال والنساء في شدة هذه الحالة، حيث إنها تصيب الرجل في حدث شخصي عاشه من قبل، في حين أن المرأة ربما تفكر في حدث سبق وعانته أو موضوع مختلف عن حياتها.

نظريات مختلفة

كان المحلل النفسي أليوت جاك أول من وضع ما يسمى بأزمة منتصف العمر، وذلك في عام 1965، وأشار إلى أنها تبين إدراك الشخص القوي بأن الموت يقترب، في حين أن الشخص يكون وصل إلى ذروة الحياة، ويتمثل الإنجاز الحقيقي في هذه المرحلة في تجاوز المثاليات الشبابية، للوصول إلى ما يسمى التشاؤم التأملي والاستسلام البناء.
وقدم الخبير كارل يونغ نظرية مختلفة، فهو يرى أن منتصف العمر وقت تبلغ فيه جوانب ذروتها كانت مكبوتة، فيستعيد الرجال الجانب الأنثوي اللاواعي، والذي كان مغموراً في شبابهم، بينما تحرر النساء جانب الجنس الآخر الخفي بداخلهن.
وقدمت نظريات أخرى تفسيرات أقل عمقاً للشعور بعد الرضا الذي يعانيه الجنسان في مرحلة منتصف العمر، فعرفته بأنه المرحلة التي يمكن للأطفال فيها أن يتركوا بيت العائلة، في الوقت الذي يعلق فيه البالغون بين جيلين، وفي الغالب فإن الأمراض المزمنة تبدأ في الظهور، وربما زادت نسبة الوفيات عند من يعانون هذه الأزمة.

انخفاض التستسترون

وتكشف الدراسة أن هناك مجموعة من التغيرات التي تحدث في مرحلة منتصف العمر بالنسبة للرجل أو المرأة، فينخفض هرمون التستسترون، وهو الهرمون المسؤول عن زيادة الخصوبة وأيضاً القوة العضلية، وذلك من بعد عمر 40 سنة.
وينخفض هذا الهرمون حوالي 1% كل سنة، وهو ما يجعله يشعر بالتعب والإرهاق عند بذل مجهود، مقارنة بقوته في وقت سابق، ومن الممكن أن يتسبب هذا الأمر في الإصابة بحالة من الاكتئاب.
وتعد أزمة منتصف العمر أشبه ما تكون بمرحلة المراهقة، ولذلك يلجأ من يعانيها إلى الانطواء، كما يبدأ في انتقاد كل شيء واختلاق المشاكل، ويشعر بخيبة أمل وندم على ما سبق من حياته، كما تتوتر جميع علاقاته الشخصية.
ويترتب على ذلك أن الرجال يتخذون قراراتهم دون تفكير، أو معرفة عواقب هذه القرارات، وذلك لأنهم يشعرون برغبة في التحرر من قيود الحياة التي كانوا يعانونها.
كما تصاب علاقة الرجل بزوجته بالبرود، ويعود هذا إلى زيادة أعباء الحياة ومسؤولية الأبناء، كما أنه يشعر بالحاجة إلى تغيير مظهره، لعدم تقبل التغيرات التي طرأت عليه بسبب التقدم في العمر، وربما كان هذا الأمر دافعاً للبحث عن زوجة أخرى أو علاقة جديدة.

والمرأة كذلك

ينطبق الأمر نفسه على المرأة حيث تحدث لها تغيرات فسيولوجية من بعد سن الأربعين، فيبدأ إفراز هرمون الأستروجين في التراجع، والذي يترتب عليه بعض الأعراض، كالتعرق الغزير وسرعة دقات القلب، وما يعرف بالهبات الساخنة وهي شعور بالتوهج في الجسم والوجه.
وتصبح المرأة عرضة بشكل أكبر للاكتئاب، لأنها تشعر أن دورها في الحياة كأنثى تقلص، وذلك بسبب انقطاع الحيض عنها، ويتولد هذا الشعور نتيجة قلقها المتزايد حول أنوثتها ومظهرها، وندمها على العمر الذي مر دون تحقيق الأهداف التي كانت تحلم بها.
وتفقد كذلك الرغبة في الحياة العاطفية تجاه زوجها، ويكون تفكيرها مركزاً على مستقبل الأبناء، ومن الممكن أن يصل الأمر في بعض الأحيان إلى رغبة في الانفصال بشكل ملح، حيث تبتعد عن المسؤولية والضغط وتحصل على الراحة النفسية.

تزايد المسؤولية

يرجع الباحثون والأخصائيون الإصابة بأزمة منتصف العمر إلى تزايد المسؤولية على عاتق الرجل، مع الضغوط التي يواجهها في الحياة، سواء في العمل أو الحياة الأسرية.
ويبحث لذلك عن الثقة بالنفس، كما أنه يعاني بروداً عاطفياً متزايداً، والذي يرجع في الغالب إلى انشغال الزوجة بالأبناء، وعدم تقدير احتياجات ومشاعر الرجل مثلما كان يحدث في السابق.
وترجع إصابة المرأة بأزمة منتصف العمر إلى التفكير في الأمور المستقبلية، وأن تقدمها في العمر من الممكن أن يهدد أنوثتها وجاذبيتها، وكذلك تفكير زوجها في غيرها.
ويتسبب كذلك في هذه الحالة عدم تحقيق المرأة لأحلامها، فهي تشعر أنها لم تحقق كل ما ترغب فيه، وكانت إحدى الدراسات أشارت إلى أن كثيراً من النساء في عمر الثلاثينات يستكملن دراستهن، لأن ذلك من الممكن أن يعوض الأمور التي لم يتم تحقيقها من قبل.

الوعي بداية العلاج

يبدأ علاج أزمة منتصف العمر بوعي الرجل والمرأة بطبيعة هذه المرحلة، والتغيرات الفسيولوجية التي تؤثر في الحالة النفسية والعضوية، ويمكن أن يكون ذلك بالقراءة والبحث، أو حضور دورات إرشاد أسري عنها.
وينبغي عدم الاهتمام بالتغيرات الفسيولوجية التي تطرأ على المظهر، والتي ترتبط بكبر السن، وعلى كل من الزوجة والزوج مساعدة شريكه لاجتياز هذه المرحلة، واستقرار الحياة الزوجية وتجنب الوصول إلى حالة الانفصال.
ويعتبر وجود الحب والمودة والاهتمام بين الزوجين ضرورياً، لأنه يقضي على الملل والخوف، كما أن الصبر والمصارحة وعدم المكابرة والعناد، أمور تساعد على لمّ شمل الأسرة.

أمور مساعدة

ينبغي على الزوج مساعدة زوجته للتغلب على هذه المرحلة، حيث يسبب انقطاع الحيض حدوث خلل في الهرمونات، وهو الأمر الذي يلقي بعبئه عليها، ولذلك يجب على الزوج محاولة احتوائها وزيادة ثقتها بنفسها.
وتساعد النساء عدة أمور للتغلب على هذه المرحلة، كتكوين علاقات اجتماعية ناجحة، وتحقيق نجاحات في تربية الأبناء والعمل.
ويجب على الزوجة أن تتحلى بالصبر، لأن الرجل يشعر بافتقاد الأمان والفراغ العاطفي، ولذلك فعليها أن تحتويه من خلال الاستماع إليه، وتصبح صديقة له، مع تقبلها لأي تغيرات على مظهره، ومن الممكن أن تدعمه في بعض الأمور التي يرغب في تغييرها.

دراسات عديدة

خضعت أزمة منتصف العمر لعدد كبير من الدراسات والأبحاث؛ حيث أثبتت دراسة أمريكية جديدة أن متوسط عمر الرجل عند إصابته بهذه الأزمة يكون حوالي 46 سنة.
وتبين دراسة أخرى تحليلية أن الشخص يفكر في العديد من الموضوعات، ويشعر بتأنيب الضمير لاختياراته، والتي يظن أنها خاطئة أو فاشلة.
وأشارت إحدى الدراسات إلى أن البالغين الأصغر سناً يرون أن أزمة منتصف العمر تمتد من أوائل الثلاثينات إلى أوائل الخمسينات، ويرى من تجاوزوا الستين أنها تمتد من أواخر الثلاثينات إلى منتصف الخمسينات.
وبيّـن مشاركون في أحد الأبحاث أن الأزمات التي يعبر عنها الأشخاص تزداد مع التقدم في العمر، وأفاد 49% من المشاركين في عمر العشرين بحدوث أزمة، وارتفعت النسبة إلى 49% في عمر الثلاثين، وبلغت 53% في عمر الأربعين.
ورصدت إحدى الدراسات أن أزمة منتصف العمر تصاب بها الحيوانات أيضاً؛ حيث ظهر على الشمبانزي في أواخر العشرينات في منتصف الثلاثينات انخفاض في الحالة المزاجية، والمتعة عند المشاركة في الأنشطة.