«الصفراء».. خطر يطارد المواليد

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تظهر أعراض الصفراء على نسبة كبيرة من حديثي الولادة خلال أول يومين من الولادة؛ حيث يصطبغ الوجه وتحديداً الأنف باللون الأصفر، وكذلك راحة اليدين وأخمص القدمين، ويحدث ذلك نتيجة تراكم مادة اليرقان التي ينتجها جسم الإنسان في الحالات الطبيعية، ويطلق على هذه الحالة فرط اليرقان في الدم، ولا يتم التعامل مع هذه المشكلة كأنها مرض، لكنها تعتبر حالة طارئة، تزول أعراضها تدريجياً بالرضاعة الطبيعية في الحالات البسيطة، وربما يحتاج الطبيب إلى فحوص الدم لتحديد درجة الإصابة، ويمكن أن تتفاقم الأعراض وتسبب بعض المضاعفات الخطيرة التي تؤثر في صحة الطفل.
يقول الدكتور ساثيا جيبال، استشاري طب الأطفال أن يرقان المواليد أو ما يعرف «بالصفراء» شائعة عند حديثي الولادة، تظهر أعراضها بشكل طبيعي ابتداء من اليوم الثاني؛ حيث تكتشف الأم إصابة طفلها عندما يميل لون جلده إلى الاصفرار، خاصة في منطقة الوجه وتحديداً الأنف وبياض العينين، وتصبح العلامات أكثر وضوحاً خلال النهار في الأيام الخمسة الأولى من عمر الصغير، كما يمكن أن يمتد الاصفرار ليشمل الجذع والأطراف في الحالات الأسوأ، وتزول الأعراض تدريجياً، إلى أن تختفي تماماً خلال الأسبوع الثاني أو الثالث، وتعود أسباب اليرقان إلى تراكم مادة «البيليروبين» الناتجة عن تحلل كريات الدم الحمراء في سياق عملية التجدد الطبيعية، ويحدث ذلك عند حديثي الولادة بسبب التأخر في نضوج الكبد المسؤول عن طرح تلك المادة خارج الجسم، ما يؤدي إلى ارتفاع نسبتها، ووصولها إلى مستوى تظهر معه الصفراء.

تشخيص ووقاية

يوضح د. جيبال، أن الإصابة بالصفراء من الأمور العابرة التي يصاب بها معظم المواليد، ولذلك تقوم معظم المستشفيات بالفحص الروتيني لنسبة اليرقان قبل مغادرة الصغير للمستشفى بواسطة جهاز يكشف نسبة البليروبين عبر الجلد، وربما يلجأ الطبيب إلى إجراء فحصها في الدم، ومدى ارتفاعها لمستوى أعلى من المتوقع بالنسبة إلى عمر المولود، أو عند تواجد عوامل مرضية تزيد من احتمالات الإصابة باليرقان، إلى الحد الذي يستلزم العلاج، ومع ذلك يكون من الضروري الحفاظ على الرضاعة الطبيعية بشكل منتظم، خاصة خلال الأيام الأولى من عمر الطفل؛ حيث يمكن أن يؤدي فقدان الوزن أو الجفاف إلى تفاقم الحالة، وننصح الأمهات بتناول الطعام الصحي والسوائل الكافية، والحصول على الراحة لتعزيز إنتاج حليب الأم.
يضيف: في بعض الحالات تستمر الصفراء لبضعة أسابيع لدى الأطفال الذين يتمتعون بصحة جيدة ويعتمدون على الرضاعة الطبيعية، ويجب على الأمهات إحضار أطفالهن للفحوص المنتظمة بعد مغادرة المستشفى، وفي حال تفاقم اليرقان، ينخفض الوزن، ويلاحظ تغير لون الفضلات إلى أبيض باهت والبول داكن اللون، ويتم في هذه الحالة إخضاع الطفل للفحص؛ حيث إن التدخل المبكر أمر بالغ الأهمية، ليس فقط لحل المشكلة الأساسية، لكن لمنع أي آثار سيئة على المدى الطويل.

مخاطر متوقعة

يذكر الدكتور سامح عبد العظيم، مختص طب الأطفال أن الصفراء مرض شائع يصيب الأطفال حديثي الولادة، وتأتي أعراضه في شكل اصفرار للجلد وبياض العين، وتبدأ بشكل تدريجي بعد الولادة، ويحدث ذلك نتيجة ترسب مادة البيليروبين في الجلد، وعدم قدرة الجسم على إخراجها عن طريق الكبد أو الجهاز البولي والهضمي، وتكمن خطورة الصفراء في إمكانية عبور تلك المادة من خلال الغشاء المحيط بالمخ إذا بلغت نسبة معينة، ما يتسبب بضرر بالغ بخلايا الدماغ، ويتبع ذلك مضاعفات خطيرة تؤثر في النمو وتطور الطفل العقلي والحركي، وتختلف النسبة الضارة للجسم بحسب عمر الطفل، فكلما نما زادت قوة الغشاء المحيط بالمخ، ويجعله مقاوماً لعبور البيليروبين إلا بنسب عالية، ولذا نجد أن نسب الصفراء التي تحتاج إلى العلاج تختلف بحسب عمر الطفل.

يرقان طبيعي

يوضح د. عبد العظيم، أن الصفراء الطبيعية تبدأ أعراضها في الظهور في اليوم الثاني والثالث بعد الولادة، وتحدث غالباً نتيجة لاحتياج الكبد للوقت الكافي للنضوج والبدء في التخلص من تلك المادة، ويكون الاصفرار بدرجة خفيفة تزداد تدريجياً في اليومين الرابع والخامس، وتبدأ في الانخفاض تدريجياً، ثم يختفى اللون بمرور الوقت، ولا يحتاج هذا النوع إلى علاج، لكن يعتمد التعافي على الاستمرار في الرضاعة الطبيعية، وإعطاء الصغير الحليب الكافي لمنع الجفاف، كما تجب متابعة الطبيب للطفل لتحديد ما إذا كانت الحالة تستدعي بعض الفحوص، وهناك بعض الأجهزة الحديثة التي تقيس نسبة الصفراء عن طريق الجلد بدون عينات دم، وتعتبر وسيلة سهلة وسريعة، وتعطي مؤشراً عن طبيعة اليرقان، ولكن نتائجها غير دقيقة، ولذلك فهي تُستخدم فقط كعلامة إرشادية للبدء في إجراء الفحوص.

صفراء مرضية

يشير د. عبد العظيم أن الصفراء المرضية متعددة الأنواع، لكن أشهرها التي تنتج عن زيادة معدل تكسر كرات الدم الحمراء بسبب اختلاف فصيلة الدم أو عامل ريسوس، ونتيجة لذلك ترتفع نسبة مادة البيليروبين، ويعجز الجسم عن التخلص منها، وتبدأ الأعراض في الظهور على الطفل عادة في نهاية اليوم الأول على هيئة اصفرار شديد في الجلد، بياض العين بشكل ملحوظ ويزداد مع مرور الوقت، ويرافق ذلك صعوبة في الرضاعة، أو سكون في حركة الصغير إذا تم إهمال اللون، وعدم التوجه للمستشفى على الفور، ويعتبر اليرقان المرضي أخطر أنواع الصفراء يحتاج علاجه إلى حجز الرضيع، والبدء في العلاج الضوئي المكثف، وربما يتطور الأمر لتغيير الدم الجزئي أو الكلى في الحالات الحرجة؛ حيث إن نسبة الإصابة المرتفعة تسبب حدوث ضرراً بالغاً لخلايا المخ.
يضيف: هناك بعض الأنواع التي يمكن أن تحدث نتيجة لأسباب جينية أو أمراض تخص عمليات الأيض، ويتم اكتشافها بعد إجراء العديد من الفحوص، ويختلف علاجها عن الأنواع الأخرى، كما أن هناك الصفراء التي تظهر على الطفل بعد مرور وقت متأخر بسبب نوع الرضاعة، لكنها ليست خطيرة ويتم علاجها بشكل بسيط بعد استشارة الطبيب المعالج.

مضاعفات الإصابة

من جانبها تؤكد الدكتورة كاياثري كاروناغاران أخصائية أمراض الأطفال، أن صفراء المواليد ليست مرضاً ولا تتسبب بالشعور بأي آلام، وإنما دلالة على مستويات مرتفعة من اليرقان في الدم، ولكن ربما تنجم عنها مضاعفات خطيرة عند بعض المواليد، ما لم يتم العلاج؛ حيث من الممكن أن يلحق الضرر بالجهاز العصبي، ما ينحم عنه ضرر في الدماغ ويعرف بـ(اعتلال دماغي بالبيروبيني حاد) أو ضرر مستديم يُدعى (اليرقان النووي)، وتساعد المراقبة المتواصلة والعلاج المستعجل المبكر، على منع الإصابة، أما في حال عدم معالجته ربما يحدث الآتي:
* الشلل الدماغي، الذي يتسم بحركات لا إرادية لليدين والأرجل والوجه وأجزاء أخرى من الجسم.
* فقدان الشعر.
* إعاقات عقلية.

طرق التداوي

تنبه د. كاروناغان إلى أن هناك بعض الطرق الخاطئة التي يلجأ لها الأهل لعلاج الصفراء التي تصيب المواليد الجدد، مثل تعريض الصغير لأشعة الشمس، وإبقائه تحت الإضاءة الصفراء أو البيضاء في المنزل، مع وضع قيود على الحمية الغذائية للأم المرضعة، وتعتمد الطرق الصحيحة في التداوي على مسببات المرض ومستويات مادة اليرقان في الدم وعمر المولود، ويتم العلاج الخفيف من خلال الإرضاع المتكرر؛ بحيث يتخلص جسم المولود من المادة الزائدة من تلقاء نفسه؛ حيث إنه يساعد على القضاء على الصفراء.
تضيف: يعد نقل الدم إجراء طارئاً منقذاً للحياة وضرورياً في بعض الأحيان لتقليل مستويات اليرقان في الدم على نحو سريع خلال ساعتين إلى ثلاث ساعات، ويتم إجراء نقل الدم فقط للمواليد الذين لم يستجيبوا للعلاجات الأخرى أو معرضين لخطر عصبي كبير نتيجة اشتداد سمية اليرقان، ويمكن أيضاً استخدام علاج الغلوبين المناعي المتداخل في بعض الحالات الحادة.

العلاج الضوئي

تؤكد د. كاروناغان، أن العلاج الضوئي يعد الأكثر شيوعاً لفرط اليرقان بالدم عند المواليد، وفي معظم الحالات، يكون الوحيد المطلوب؛ حيث يتعرض سطح بشرة المولود لضوء أزرق خاص يقوم بتفكيك اليرقان إلى مركبات، ما يسهل التخلص منها في البراز أو البول، ويعد هذا العلاج ناجحاً عند جميع المواليد تقريباً، ويتم تقديمه عادة في المستشفى، ويكون الرضيع عارياً أو مرتدياً حفاضته فقط، مع وضع قناع خاص لحماية عينيه، ولدى بعض المستشفيات بطانيات خاصة تتيح مواصلة العلاج، بينما تقوم الأم بإرضاع مولودها، ويتم إيقاف العلاج الضوئي عندما تنخفض مستويات اليرقان إلى مستويات آمنة، وربما ترتفع النسبة مجدداً بعد مرور 18 إلى 24 ساعة، وعلى الرغم من ندرة هذه الحالات، فإنها تتطلب متابعة للمواليد الذين يمكن أن يحتاجوا إلى المزيد من العلاج.

عوامل مرضية

تصيب الصفراء معظم الأطفال مع انتهاء اليوم الأول من ولادتهم، ولكن هناك بعض العوامل التي تعزز فرصة الإصابة مثل: المواليد الخدج، أوانخفاض وزن الصغير عند الولادة، وربما يتسبب اختلاف فصيلتي الدم بين الأم والرضيع في بعض الأحيان في انحلال كريات الدم الحمراء عند الطفل، وبالتالي ارتفاع مستوى البيليروبين ما يلحق الأذى بالجهاز العصبي، فتظهر الصفراء، كما يؤدي نقص بعض الأنزيمات أيضاً إلى نتائج مماثلة، ما يستدعي تعريض الرضيع لضوء خاص لفترة تصل في بعض الحالات لعدة أيام للوقاية من تفاقم الحالة.