إصابات النخاع المستعرض .. الطريق إلى شلل الأطراف

مقالات

يعد النخاع الشوكي أو الحبل الشوكي، جزءاً مهماً من الجهاز العصبي المركزي، ويبدأ من قاعدة الدماغ، وبالتحديد من النخاع المستطيل، ويمر عبر النفق الفقري للعمود الفقري، ويمتد في الفراغ الموجود بين الفقرتين القطنيتين الأولى والثانية.
وتعد الوظيفة الأساسية للنخاع الشوكي نقل النبضات العصبية من المخ وإليه، وتوصيلها كذلك بالأعصاب الفرعية، فمثلاً عندما يقوم الشخص بتحريك يده فإن النخاع يوصل الإشارات الكهربائية من الدماغ إلى العضلات.
يصاب النخاع الشوكي باضطراب عصبي، يسمي بالتهاب النخاع المستعرض الذي يتسبب بتلف الألياف العصبية أو زوال المادة التي تعزل وتحيط بألياف الخلايا العصبية، وتسمى الميالين.
ونتناول في هذا الموضوع مرض التهاب النخاع المستعرض بكل تفاصيله، مع بيان العوامل الأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعراضها التي تميزها عن غيرها من الأمراض، وطرق الوقاية التي ينصح بها الباحثون، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

عرقلة الإشارات

يقصد بكلمة مستعرض أن الالتهاب يكون في عرض النخاع الشوكي، ومن ثم يعوق هذا المرض الإشارات التي تأتي من أعصاب الحبل الشوكي إلى كل أجزاء الجسم، ولذلك يعاني المصاب ألماً أو ضعفاً بالعضلات، وتتطور الأعراض حتى مرحلة الشلل الجزئي أو التام.
وتشمل عوامل الإصابة حالات العدوى واضطرابات المناعة، والاضطرابات التي تصيب الميالين كإصابته بالتصلب المتعدد.
ويهاجم هذا المرض الرجال والنساء بنسب متساوية، ومن الممكن أن تحدث الإصابة به في أي مرحلة عمرية، وإن كانت الإحصاءات الأخيرة سجلت أن الفترة ما بين 10 إلى 40 عاماً هي أكثر الفترات تعرضاً للإصابة.
وتشمل علاجات التهاب النخاع المستعرض بعض العقاقير والعلاج الطبيعي، ويشفى أغلبية المصابين، غير أن من يعانون نوبات شديدة يتعرضون لإعاقات شديدة.

الهربس والمعوي

توضح دراسة ألمانية حديثة، أن الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بالتهاب النخاع المستعرض متعددة، وذلك لا يمنع وجود بعض الحالات غير معروف سبب إصابتها حتى الآن.
وتشمل هذه الأسباب الإصابة بعدوى فيروسية في المجرى التنفسي أو القناة الهضمية، ويظهر اضطراب التهابي في كثير من الحالات بعد الشفاء من العدوى.
وتعد فيروسات الهربس وأيضاً وفيروسات القولون وفيروس غرب النيل سبباً في إصابة الحبل الشوكي بالعدوى بصورة مباشرة.
كما أنه في قليل من الحالات يكون هناك تأثير للطفيليات عليه، وربما سببت بعض البكتيريا، كداء لايم، التهابات شديدة في جذور الحبل الشوكي.
ويعد التهاب النخاع الشوكي في بعض الأحيان إحدى العلامات الأولية على الإصابة بالتصلب المتعدد، وفي هذه الحالة فإن الأعراض غالباً تظهر في جانب واحد من الجسم، والتصلب المتعدد هو اضطراب يدمر فيه الجهاز المناعي الميالين المحيط بالأعصاب في الحبل الشوكي والدماغ.

العصب البصري

يمكن أن تكون الإصابة بسبب التهاب العصب البصري، وتتسبب هذه الحالة في الإصابة بفقدان طبقة الميالين المحيطة بالحبل الشوكي والعصب الموجود في العينين الناقل للمعلومات إلى الدماغ.
ويكون تأثير التهاب النخاع المستعرض المصاحب لالتهاب النخاع والعصب البصري في العادة على جانبي الجسم كليهما.
ويعاني بعض المصابين هذه الحالة من مشاكل في العين، كألم مع الحركة أو فقدان للرؤية بصورة مؤقتة، في حين أن البعض الآخر لا يشكو من أي مشاكل متعلقة بالعين، وإنما فقط نوبات متكررة من الالتهاب في النخاع المستعرض.
وتلعب مشاكل المناعة الذاتية كالذئبة دوراً في الإصابة بالتهاب النخاع المستعرض، ومن الممكن أن تؤثر في العديد من الأجهزة المناعية.
ويمكن أن يكون هذا الالتهاب والذي يصاحب اضطراب الجهاز المناعي تحذيراً على التهاب النخاع والعصب البصري، وهو ما يتعرض له بكثرة المصابين بأمراض المناعة الذاتية.

يؤثر في الجانبين

تظهر أعراض التهاب النخاع المستعرض في ظرف ساعات عدة، ثم يزداد تفاقمها على مدار بضعة أيام، ومن الممكن أن تتطور أحياناً بصورة تدريجية على مدار أسابيع عدة.
ويؤثر هذا المرض في جانبي الجسم كليهما، وذلك تحت المنطقة المصابة، ولا تظهر الأعراض في بعض الحالات إلا في جانب واحد فقط.
ويشكو المصاب من ألم يظهر بشكل مفاجئ في الجزء السفلي من الظهر، والذي ينتقل أحياناً على صورة ألم حاد إلى الساقين أو الذراعين أو البطن أو حول الصدر، وتختلف أعراض الألم بناء على الجزء المصاب في الحبل الشوكي.

تنميل وحساسية

يعاني بعض المصابين تنميلاً أو وخزاً أو برودة أو حرقة، كذلك تصبح لدى البعض حساسية خاصة تجاه اللمس الخفيف للملابس أو الحرارة أو البرودة المفرطة، وربما يشعر أن هناك شيئاً ملفوفاً بشدة حول جلد الصدر أو البطن أو الساقين.
ويلاحظ البعض أنهم يتعثرون أو يجرون إحدى القدمين، أو يشعرون بثقل في القدمين، وفي بعض الأحيان يصابون بضعف شديد، أو حتى شلل تام.
ويمكن أن تشمل المشاكل ضعفاً في المثانة، فيحتاج المصاب إلى تكرار التبول، أو يصاب بسلس البول أو صعوبة التبول، كما تتضمن المشاكل اضطرابات في حركة الأمعاء، مما يؤدي إلى الإصابة بالإمساك.

تشنج الأطراف

يعاني كثير من المصابين بالتهاب النخاع المستعرض عدداً من المضاعفات، والتي تبدأ بألم حاد ومنهك ويستمر فترات طويلة.
ويشكو من تشنج في العضلات، والتي تكون في شكل صلابة أو ضيق أو تقلصات مؤلمة، وفي الأغلب فإن التشنج يكون في الأرداف والساقين.
ويمكن أن تصل المضاعفات إلى حد الإصابة بشلل جزئي أو كلي في الذراعين أو الساقين أو كليهما، ومن الممكن أن يستمر عقب الأعراض الأولى.
وتتسبب المعاناة من هذه المضاعفات- والتي تستمر فترة طويلة- في تغيير نمط الحياة والشعور بحالة من القلق، والذي يمكن أن يصل في بعض الأحيان إلى درجة من الاكتئاب.

اختبارات للتشخيص

يعتمد تشخيص الإصابة بالتهاب النخاع المستعرض على معرفة الطبيب المعالج للأعراض التي يعانيها المصاب، إضافة للتعرف إلى التاريخ الطبي له.
ويلي ذلك تقييم سريري لوظيفة العصب، وإجراء مجموعة من الاختبار، والهدف منها تأكيد الإصابة بالتهاب في الحبل الشوكي، واستبعاد الاضطرابات الأخرى.
وتشمل الاختبارات إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي، والذي يظهر وجود التهاب في الحبل الشوكي، إضافة إلى الأسباب الأخرى للأعراض.
ويمكن إجراء بزل شوكي باستخدام إبرة ليتم سحب كمية صغيرة من السائل الدماغي الشوكي، وهو السائل الذي يحيط بالحبل الشوكي والدماغ.
ويظهر من خلال هذا الاختبار وجود عدد ضخم من خلايا الدم البيضاء، أو بروتينات جهاز المناعة في السائل، وهو ما يشير إلى وجود التهاب، ومن الممكن اختبار السائل بهدف الكشف عن عدوى فيروسية أو وجود سرطان.
ويمكن أن تتضمن فحوص الدم اختباراً للكشف عن الأجسام المضادة التي ترتبط بالنخاع البصري، وذلك في الحالات التي يرتبط فيها التهاب النخاع وعصب العين، وتحدد الاختبارات الأخرى العدوى التي ربما أسهمت في الإصابة بالتهاب النخاع المستعرض.

خيارات متعددة

يشمل علاج التهاب النخاع المستعرض عدداً من الخيارات، والتي يكون الهدف من ورائها تخفيف الأعراض الشديدة للمرض، ومن ضمن هذه الخيارات حقن الستيرويدات الوريدية، وهي تساعد على تخفيف التهاب العمود الفقري.
ويمكن أن يحتاج بعض المصابين الذين لا يستجيبون لهذه الحقن إلى العلاج بتبادل البلازما، وهو الخيار الثاني، وفيه يتم إزالة السائل الأصفر، لونه مثل القش، وهو الذي يحتوي على خلايا الدم المعلقة، البلازما، ويستبدل بسوائل معينة.
ويمكن أن يعالج المصابون بعدوى في الحبل النخاعي بمضادات فيروسية، كما أن تناول مسكنات الألم خيار مطروح، وبخاصة أن الألم المزمن أحد مضاعفات هذا المرض، ومن الممكن علاج آلام الأعصاب باستخدام مضادات الاكتئاب ومضادات التشنجات.

علاجات إضافية

يصف الطبيب في بعض الحالات عدداً من الأدوية التي تعالج المضاعفات، ومن ذلك أدوية لعلاج الفشل البولي أو المعوي، وكذلك تشنج العضلات.
وتهدف بعض العلاجات الإضافية إلى التعافي والرعاية طويلة الأمد، ومنها العلاج الطبيعي الذي يساعد على تحسين القوة والتنسيق، ومن الممكن أن يقوم أخصائي العلاج الطبيعي بتعليم المصاب كيفية استخدام الأجهزة المساعدة، التي ربما كان في حاجة إليها كالدعامات والعصي.
ويساعد العلاج الوظيفي المصابين بالتهاب النخاع المستعرض في معرفة طرق جديدة للقيام بمختلف أنشطة الحياة المعتادة، كتنظيف البيت أو الاستحمام وخلافه.
ويحتاج من يعانون القلق ونوبات الاكتئاب إلى علاج نفسي، وذلك للتغلب على المشكلات النفسية والعاطفية المرتبطة بهذا المرض.

30 % فقط

تشير دراسة أمريكية حديثة إلى أن توقع مسار التهاب النخاع المستعرض يعد من الأمور الصعبة، وإن كان من يعانون الأعراض بشكل تدريجي تكون توقعات سير المرض لديهم أفضل، ممن يعانون ظهور الأعراض بشكل سريع.
ويشفى معظم المصابين بالمرض بشكل جزئي، ومن الممكن أن يستغرق المرض سنة أو أكثر، ويحدث الشفاء خلال أول 3 أشهر بعد النوبة، وإن كان هذا يرتبط بسبب الإصابة بصورة قوية.
ويقول الباحثون: إنه يمكن تقسيم حوالي 30% من المصابين بالتهاب النخاع المستعرض إلى 3 فئات، الأولى وهم الذين لا يصابون بإعاقة دائمة، أو يصابون بإعاقة بسيطة، وهؤلاء لا يشكون إلا من أعراض طفيفة ودائمة.
ويعاني أصحاب الفئة الثانية إعاقة متوسطة، فهم لديهم القدرة على الحركة، لكن هناك صعوبة في المشي، أو إصابة بالتنميل، أو مشاكل في الأمعاء والمثانة.
ويحتاج أصحاب الفئة الثالثة، (الإعاقة الشديدة)، إلى الاستعانة بكرسي متحرك بصورة دائمة، كما أنهم في حاجة إلى المساعدة المستمرة في مختلف الأنشطة اليومية.