الإجهاد الوظيفي.. طريق سريع للإصابة بالأمراض

مقالات

يعاني البعض مشاكل صحية بشكل مفاجئ، وعندما يتوجه إلى الطبيب المعالج يكتشف أنه لا يعاني مرضاً معيناً، وإنما السبب وراء هذه الشكوى ما يسمى بالإجهاد الوظيفي.
ويعتبر الإجهاد الوظيفي أحد أشكال التوتر التي تنتج عن الإجهاد والإرهاق أثناء القيام بمهام العمل، وتتسبب في هذا الاضطراب مجموعة من العوامل، التي تشمل جوانب بدنية وأخرى نفسية وذهنية.
اعترفت منظمة الصحة العالمية بالإجهاد الوظيفي بأنه مرض، وذلك ضمن التصنيف الدولي للأمراض، وعرفت المنظمة هذا الاضطراب بأنه متلازمة تنتج عن الإجهاد المزمن في العمل، ويكون غير مدار بشكل ناجح، ويترتب على ذلك 3 نتائج، استنزاف واستنفاد الطاقة، وتقليل فعالية الشخص المهنية، وزيادة مشاعره السلبية تجاه الوظيفة.
ونتناول في هذا الموضوع مرض الإجهاد الوظيفي بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تعجل الإصابة به، وأعراضه وطرق الوقاية الممكنة، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

الأطباء والمدرسون

توضح دراسة بريطانية حديثة أن الإصابة بالإجهاد الوظيفي ترجع إلى توحد المصاب مع ما يمارسه من عمل، وذلك إلى الحد الذي لا يمكنه أن يميز أو يفصل بين حياته المهنية والشخصية.
ويعتبر أمثال هؤلاء هم الأكثر إصابة بهذا الاضطراب، وكذلك من يحرصون على إرضاء الجميع، وتنفيذ كل الطلبات المكلفين بها، مع افتقاد الشجاعة لرفضها، أو رفض البعض منها عند الشعور بالضغط.
وتشمل قائمة الفئات المعرضة لذلك من يعملون في القطاع الصحي، أو التدريس أو من يقدمون استشارات اجتماعية، كما أن من يؤدون أعمالاً روتينية لفترات طويلة، ومن يفتقدون التحكم في زمام أمور العمل عرضة بشكل كبير للإصابة بهذا الاضطراب.

عوامل كثيرة

تتوافر مجموعة كبيرة من العوامل تلعب دوراً كبيراً في تعرض الشخص لهذه الحالة، ومن ذلك أن يفشل الموظف أو العامل في التأثير في أي قرار مؤثر في عمله، كالجدول الزمني لتنفيذ المهمة المكلف بها أو الأعباء الوظيفية.
وترجع الإصابة في بعض الحالات إلى أن الموظف يفتقد الموارد التي تدعمه ويحتاج إليها خلال العمل اليومي، وهو الأمر الذي ربما سبب له فقدان السيطرة.
ويؤدي عدم وضوح الصلاحيات التي تخول للموظف أو العامل وفقاً للتوصيف الوظيفي، إلى الإصابة بهذه الحالة، كما أن وجود غموض أو لبس في المهام المطلوبة منه، وما الذي يحاسب عليه أو لا يحاسب؟ كل هذه الأمور مجتمعة أو منفردة ستجعل هناك شعوراً بعدم الارتياح والضغوط، وبالتالي توقع مفاجآت غير سارة.

افتقاد الاحترام

يعتبر من الأسباب التى تؤدي إلى الإجهاد الوظيفي عدم توافر مناخ من الاحترام المتبادل بين الزملاء، أو عندما يمارس الرئيس المباشر شكلاً من أشكال التنمر الوظيفي، أو ممارسة الصلاحيات المخولة بشطط وعدم احترام أو إذلال للآخرين.
وتحدث كذلك عندما يشعر المصاب بوجود تمييز بناء على المعايير الشخصية، أو بحسب الحالة المزاجية، ودون وجود معايير في الكفاءة أو الإنتاجية.
ويمكن أن يكون السبب اختلاف القيم بين الرئيس والمرؤوس، الأمر الذي تترتب عليه حالة من التنافر بين الاثنين، تؤدي مع مرور الوقت إلى تزايد التوتر، وبالتالي ظهور ضغط نفسي بسبب حالة الصراع الداخلي، تقود في نهاية الأمر إلى الإجهاد الوظيفي.
ويؤدي في بعض الحالات اعتبار الشخص أن العمل أو الوظيفة بعيدة عن مجال التخصص أو الاهتمام أو تفتقد لمهارات الشخص، إلى ضغط نفسي يصيبه في النهاية بهذا الاضطراب.

شكوى مرضية

يشكو المصاب بالإجهاد الوظيفي من عدد من المشاكل الصحية، والتي تبدأ من آلام في الظهر، مروراً بالسمنة، وانتهاء بأمراض القلب، بالإضافة إلى التوتر والقلق والاكتئاب.
ويعتبر بصفة عامة أحد أبرز أعراض هذا الاضطراب كثرة الإصابة بالأمراض، ولذلك فإنه يجب أن يراجع المصاب نهجه في إنجاز العمل، وإذا كان يستحق ما يعانيه أم لا.
ويعاني المصاب صعوبات في الإدراك، والتي تظهر عليه بارتكابه لأخطاء ساذجة، ونسيان الأشياء المهمة، واتخاذ قرارات يندم عليها بعد ذلك.
ويؤثر الإجهاد والتوتر في كل ما يفعله المصاب بهذا الاضطراب، ومن هذا تفاعله مع المحيطين به، وحتى إذا تمكن من ضبط انفعالاته خلال العمل، فإنه ينفجر في المنزل، الأمر الذي يؤثر سلباً في العلاقات الأسرية.
ويدفع هذا الاضطراب إلى ممارسة سلوكيات غير مرغوبة، كالتصرف بشكل متهور، والتورط في مشكلات سخيفة، ويمكن أن يلجأ البعض إلى الهروب من المسؤوليات والانطواء.

إرهاق مزمن

يتسبب الإجهاد الوظيفي في أن يواصل المصاب إنجاز المهام المكلف بها في المنزل، وربما استمر على الأقل في التفكير فيها، وفي طريقة تنفيذها بشكل مثالي، ودون أخطاء.
ويشكو من يعاني هذه الحالة من الإرهاق والتعب بالرغم من حصوله على عدد ساعات كاف من النوم، أو عندما يلجأ الشخص لتناول كمية كبيرة من الكافيين، للحصول على النشاط المرغوب، أو في حالة المعاناة للبقاء منتبها خلال العمل.
وتؤدي الإصابة بالإجهاد الوظيفي إلى التحول من الإيجابية إلى السلبية، فيركز المصاب على الجوانب السلبية، ويطلق أحكاماً على الآخرين مع السخرية منهم.
ويتسبب هذا الاضطراب في انخفاض معدل الرضا لدى المصاب، الأمر الذي ينعكس على أداء المهام المكلف بها، فيجد صعوبة في تنفيذها، وإذا انتهى منها لا يكون راضياً عن أدائه لها. ويفقد المصاب بهذه الحالة اهتمامه بذاته، ويهدد ذلك قدرته على أن يتخذ قراراً سليماً، وربما كان السبب في ذلك انخفاض الثقة بالنفس.

احذر الإهمال

يهمل كثير من المصابين أو المعرضين بشكل كبير للإصابة بالإجهاد الوظيفي علاج هذه الحالة، وذلك بالرغم من المضاعفات التي يمكن أن يتعرضوا لها.
وتبدأ هذه المضاعفات بالإصابة بالتوتر الشديد والتعب، والشعور بالأرق، وربما يضطر إلى العزلة وخسارة الأصدقاء، وذلك نتيجة الإفراط في العمل.
وتشمل مضاعفات هذه الحالة الإصابة بأحد أمراض القلب، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول، أو الإصابة بالنوع الثاني من السكري، وخاصة النساء. ويمكن أن تصل الأمور في بعض الحالات إلى الإصابة بالسكتة الدماغية، وهناك من يقع في دائرة الإدمان، وبصفة عامة فإن الأمراض تتكالب بشكل جزئي وكلي على المصاب بالإجهاد الوظيفي.
ويجب ألا يتجاهل من يعاني أعراض هذا الاضطراب الحصول على الرعاية الصحية لدى أحد الأخصائيين النفسيين، وبالذات مختص صحة مهنية نفسانية، لأنه الأقدر على تشخيص الحالة وتحديد العلاج المناسب.

البدايـة

يبدأ علاج الإجهاد الوظيفي من خلال إدارة أسباب التوتر التي تؤدي إلى هذا الاضطراب، وذلك بأن يضع المصاب خطة يتصدى من خلالها لكل الأمور التي تسبب شعوره بالإنهاك المهني.
ويمكن أن يلجأ إلى مناقشة ما يثير القلق لديه مع رئيسه في العمل، لأن ذلك يمكن أن يغير من التوقعات، أو يعمل على الوصول إلى حلول وتسويات يتفق عليها، كأن يتم تقليل المهام أو تخفيف الأعباء الوظيفية، أو مشاركتها مع الآخرين ممن يعانون أعباء أقل.
ويفيد في بعض الحالات التوجه لرئيس العمل من أجل توفير قدر أكبر من المرونة، فيما يتعلق بأداء العمل وبالذات طالما كان الإنتاج مرتفعاً، وذلك كأن يسمح بالعمل من مكان آخر غير المكتب. ويطلب في الحالات التي تشعر باللامبالاة أو الاستخفاف بالعمل بمراجعة مواقفها وأحكامها، مع محاولة إعادة اكتشاف جوانب المتعة في العمل.

فترات راحـة

تعتبر من الأشياء المساعدة للتخلص من هذه الحالة الاعتراف للزملاء بالإسهامات القيمة لهم، وإتقانهم ما ينفذونه من مهام، كما يجب على المصاب شكرهم على المساعدات التي يقدمونها له.
ويجب الحرص على الحصول على فترات من الاستراحة خلال العمل، وكذلك قضاء أوقات ممتعة بعيداً عن العمل، سواء في البيت أو خارجه.
ويساعد وجود دعم عاطفي أو اجتماعي من الدوائر المحيطة، كالأهل والأصدقاء وزملاء العمل، على التغلب على التوتر والضغط ومشاعر الإجهاد، وذلك في الأوقات الصعبة، وينصح في بعض الأحيان بالاستعانة بأخصائي الصحة المهنية النفسية لتوفير الدعم.
وتعتبر الرياضة أحد أفضل السبل التي تساعد على التغلب على الإجهاد الوظيفي والتوتر والقلق الناتج عنه، ويجب على الشخص أن يدرس كل الخيارات المقترحة أمامه، مع الوضع في الاعتبار ألا يسمح للعمل المجهد أن يؤثر في صحته مهما كان الأمر مكلفاً.

نسب الإصابة

توضح دراسة أمريكية جديدة أن البالغين يشعرون في منتصف العمر بالتوتر والضغط في مكان العمل بشكل أكبر من زملائهم الأصغر سناً، وهو الأمر الذي يترتب عليه تعرضهم لمشاكل نفسية.
وأظهرت الدراسة التي أجريت على 7 آلاف موظف في عمر 45 عاماً من خلال بيانات الاستبيان المرفق بالدراسة أنهم لم يعانوا اكتئاباً أو نوبات قلق وتوتر، وأوضح 35% ممن أجريت عليهم الدراسة أنهم فقدوا السيطرة على الأعمال التي قاموا بها، في حين أن 25% وصفوا وظائفهم بأنها صعبة ومجهدة للغاية.
وذكر القائمون على الدراسة أن الموظفين الذين ذكروا تعرضهم لمستويات من الضغط الوظيفي عالية قبل نحو 5 سنوات كانوا أكثر عرضة لتشخيص إصابتهم باضطرابات نفسية ممن يعملون في وظائف أقل جهداً.
وانتهت الدراسة إلى أن من يمارسون وظائف مرهقة يكونون أكثر عرضة للإصابة بمرض نفسي بنسبة 70% وهم في عمر 50 عاماً، وبلغت نسبة تشخيص الإصابة باضطرابات نفسية فيمن ذكروا افتقادهم للتحكم في تفاصيل العمل 89%.