«القفص المقعر»..أكثر التشوهات انتشاراً

مقالات

تشير الدراسات الحديثة، إلى أن الصدر المقعر من أكثر العيوب الولادية انتشاراً في الجهة الأمامية من الجسم، ويتسبب هذا العيب في انخفاض عظم هذه المنطقة، وذلك لأن عظمة القص وبعض الضلوع تنمو بصورة غير طبيعية.
وتبدو الحالات الحادة من تقعر الصدر وكأن منتصف الصدر تم تجويفه، ويشبه في هذه الحالة الكهف، ويكون ذو انبعاج عميق.
ويمكن أن تظهر هذه الحالة بعد الولادة، وربما ظهرت في مرحلة البلوغ، وعامة فإن عظم الصدر الغائر يلاحظ عقب الولادة، وتتفاقم في العادة أثناء طفرة نمو المراهقين.
نتناول في هذا الموضوع مشكلة الصدر المقعر بكل جوانبه، مع بيان العوامل والأسباب التي تقود إلى هذه الحالة، وكذلك أعراضها التي تظهر، وطرق الوقاية الممكنة التي ينصح بها الباحثون، وكذلك أساليب العلاج الممكنة والحديثة، والدراسات التي بحثت في هذا الشأن.

مسميات عدة

تكشف دراسة سويدية، عن أن الإصابة بهذا العيب الولادي تنتشر بين الذكور أكثر من الإناث، وتعد كثير من الحالات مجرد مشكلة تجميلية، غير أن الحالات الشديدة تتداخل مع وظيفة القلب والرئتين، وبالتالي تؤثر في التنفس ووظائف القلب، وتسبب ألماً في الظهر والصدر، ويجب التعامل معها جراحياً، لعدم تطور الحالة والوقوع في مضاعفات جسيمة.
ويمكن أن يعاني المصاب بتقعر القفص الصدري، أمراضاً نفسية وتأثيرات اجتماعية سلبية، وهو ما ينعكس في صورة الخجل من مظهره وانعزاله، ويتم تصحيح هذا التشوه من خلال الجراحة.

انبعاج بسيط

يقول الباحثون إن العرض الوحيد والبارز في أغلب المصابين بالصدر المقعر هو انبعاج بسيط في الصدر، وهو ما يزداد عمقاً مع بدايات مرحلة المراهقة، وربما استمر في الزيادة حتى البلوغ.
ويعد الكأس المقعر أكثر الأشكال المشتركة لهذا التشوه، ويرتبط بأدنى حد لعظمة القص، وربما ارتبط التقعر بالغضاريف الأمامية، ومن الممكن أن تبرز طبقات الأضلاع السفلية، وفي بعض الحالات يكون تشوه الصدر المقعر متماثلاً، وفي أحيان أخرى يكون غير متماثل.
ويمكن أن تؤدي الحالات الشديدة من هذا التشوه إلى أن تقوم عظام الصدر بالضغط المباشر على القلب والرئتين، وهو ما تترتب عليه مجموعة من الأعراض.
تشمل هذه الأعراض الشعور بألم في الصدر، وسرعة ضربات قلب المصاب، وضيق في التنفس، مع ضعف قدرته على بذل مجهود بدني، ويعاني المصاب أزيزاً أو سعالاً.
ويمكن أن يعاني كذلك ألماً في البطن، وتصاب بعض الحالات بالتهابات متكررة في الجهاز التنفسي، أو الإصابة بالنفخة القلبية.

أسباب وراثية

يعزو كثير من الباحثين الإصابة بالصدر المقعر إلى أسباب وراثية، وأكثر من 30% من المصابين بهذا التشوه يوجد لديهم أقارب من الدرجة الأولى مصابون بنفس هذه الحالة، وبصفة عامة فإن المسبب الرئيسي وراء الإصابة لا يزال مجهولاً.
ويمكن أن ترجع الإصابة في بعض الحالات إلى أسباب فيزيائية، كزيادة الضغط في الرحم، وزيادة الاحتكاك على عظم الصدر لأن الحجاب الحاجز غير طبيعي، وربما كان بسبب الإصابة بكساح الأطفال.
ويعتبر الصدر المقعر أحد أعراض بعض الحالات الصحية كمتلازمة مارفان، ومتلازمة تيرنر، ومتلازمة نونان، وأحياناً في أمراض اضطرابات النسيج الضام كمتلازمة إهلرز دانلوس، أو عند الإصابة بتكون العظام الناقص، وربما ظهر هذا التشوه في بعض المصابين بمرض السيلياك، وإن كان لا يعرف سبب لهذا الأمر.

مشاكل في القلب

تتسبب الحالات الشديدة من القفص الصدري المقعر ببعض المضاعفات؛ حيث يمكن أن تتسبب بضغوط على القلب والرئتين، أو تجبر القلب إلى التوجه نحو الجانب.
ويمكن في الحالات التي يكون عمق انبعاج عظمة الصدر قوياً أن يقلل من المساحة التي تتمدد فيها الرئتان، وكذلك يضيق الضغط على القلب، وبالتالي يدفعه إلى الجانب الأيسر من الصدر، ويقلل من قدرته على أن يضخ بشكل فعال.
ويزيد خطر تعرض المصابين بالصدر المقعر للإصابة بالانحناء إلى الأمام، مع اتساع الأضلاع ولوحي الكتفين، ويتجنب المصابون بسبب الشعور بالخجل القيام بكثير من الأنشطة، لأن تغطية الانبعاج الذي يوجد في الصدر من خلال الملابس يكون صعباً.

الفحص البدني

يتم تشخيص الصدر المقعر في أغلب الحالات من خلال الفحص البدني، وربما اقترح الطبيب بعض الاختبارات، والتي يتحقق بها من أي مشاكل ترتبط بالقلب والرئتين.
وتشمل هذه الاختبارات التصوير بالأشعة السينية، وتظهر صور الأشعة الانخفاض في عظام الصدر، وفي الأغلب تظهر الأشعة تغير موضع القلب من الجانب الأيسر للصدر، وتمتاز بأنها غير مؤلمة كما تستغرق بضع دقائق.
ويمكن اللجوء إلى الأشعة المقطعية، للمساعدة على معرفة شدة تقعر الصدر، وهل القلب والرئتان مضغوطان، ويلتقط هذا الفحص صوراً مقطعية عرضية تشمل بناء الجسم الداخلي.
ويظهر مخطط صدى القلب هل نبضات القلب منتظمة أم مضطربة؟ ويتضمن هذا الاختبار وضع عشرات الأسلاك الكهربائية التي توصل بالجسم، ويعد هذا الاختبار غير مؤلم.
وتقيس اختبارات وظائف الرئة كمية الهواء التي يمكن للرئة أن تحتويها وسرعة تفريغها، ويراقب اختبار ممارسة التمارين مدى كفاءة عمل الرئتين والقلب، وتكون هذه التمارين بركوب الدراجة أو على جهاز المشي.

التدخل الجراحي

يعتبر أبرز علاج لمشكلة الصدر المقعر هو التدخل الجراحي، والذي يقتصر في الأغلب على من يعانون أعراضاً متوسطة أو شديدة.
ويمكن أن يساعد العلاج الطبيعي هؤلاء الذين يعانون أعراضاً بسيطة، وتتوفر مجموعة من التمارين التي يمكن أن تحسن القوام، وتزيد درجة تمدد الصدر عند التنفس.
وتحسن التمارين كذلك وضعية العمود الفقري، وأيضاً تقوي الظهر وعضلات الصدر، وتشمل هذه التمارين التنفس العميق وكتم النفس.
ويحد التدخل الجراحي من تطور المرض إلى حالات أخرى أكثر خطراً، كتلك التي تتعلق بالجهاز التنفسي والقلب، وبصفة عامة فإن الجراحة أظهرت تحسناً بالنسبة لوظائف القلب، وتعتبر عملية نوس أكثر العمليات انتشاراً وأقلها خطراً.

عملية نوس

تنسب عملية نوس إلى الطبيب الأمريكي دونالد نوس، وكان أول عملية أجراها للصدر المقعر في عام 1987، وفيها قام بزرع قمع صلب كهفي الشكل أسفل عظمة القص. ويدفع القمع العظم للخارج، وبالتالي فإنه يخفف حدة التشوه، ويظل هذا القمع عامين على الأقل في جسم المريض، ويميل بعض الجراحين إلى أن يظل في الجسم 5 سنوات حتى يثبت العظم في مكانه الطبيعي. وكانت هذه العملية تجرى للأطفال دون العاشرة، لأن عظمة القص والغضاريف تكون مرنة بشكل كبير، وتكون نسبة النجاح في الأطفال أكبر من البالغين، ويلاحظ أن العملية تتم على مرحلتين منفصلتين.

تقنية روبيكسك

توجد طريقة أخرى يطلق عليها تقنية روبيكسك، والتي طورها الدكتور فرانسيس في 1965، ويتم تخطيط هذه العملية بحسب امتداد التشوه ومكانه.
وتبدأ العملية بجراحة لا تتجاوز 6 سنتيمترات في عظمة القص، وتزال الغضاريف المشوهة باستخدام أداة حادة، ويتم شد الطرف السفلي من عظمة القص من خلال أداة مخصوصة، ومن ثم يزال التصاق عظمة القص من الغشاء الذي يقع حول القلب وغشاء الجنب.
ويتم إدخال قطعة أسفل عظمة القص المتحركة لتثبيتها جيداً، وتتم خياطتها بشد خفيف من الجهتين إلى مستوى أسفل الأضلاع.
ويعتبر من الأمور المحظورة عقب العملية ارتداء ملابس ضيقة ومشدودة على الصدر، ويعتمد اختيار هذه العملية على الجراح، والذي يرجع إلى حالة المريض.

العملية المغناطيسية

تتضمن العمليات الجراحية لإصلاح تشوه الصدر المقعر العملية المغناطيسية الداخلية المصغرة، وفيها يتم استخدام مغناطيسيين لإعادة ترتيب عظمة القص مع الصدر والأضلاع.
ويتم إدخال أحد المغناطيسيين بعمق سنتيمتر في جسم المصاب، ويكون موضعه في نهاية عظمة القص، ويوضع الآخر في الخارج.
ويقلل المغناطيسيان سرعة تحرك عظمة القص في السنوات التالية، وذلك من خلال المجال الذي يولدانه، وتمتاز هذه العملية بأنها أكثر فاعلية من العمليات الأخرى، كما أنها أقل تسبباً بالألم.
ويمكن أن تتسبب ببعض الآثار الجانبية، وذلك نتيجة حدوث تداخل مع الأجهزة الطبية الأخرى، كجهاز تنظيم ضربات القلب.

معلومات مهمة

تشير دراسة أمريكية حديثة إلى أن مشكلة تشوّه الصدر المقعر يصيب مولوداً بين كل 1000 طفل، كما أن نسبة إصابة الذكور أكبر من الإناث، بما يتراوح بين 1 و3 مصابين.
ويحتاج المصابون من المراهقين بهذا التشوه، إلى تعلم مهارات للتوافق، كما أن هناك مجموعات للدعم ومنتديات على الشبكة العنكبوتية التي توفر خبرات من أشخاص يعانون نفس المشكلة.
وتوفر هذه الخبرات أساليب للتغلب على ما يعانيه المصاب من حرج وانخفاض ثقته بنفسه، وبالذات للمراهقين، حيث تزداد الحالة سوءاً خلال هذه المرحلة العمرية، ويميلون نحو العزلة والابتعاد عن الآخرين، وهو ما يجعلهم يتعرضون لضغوط نفسية قوية يمكن أن تصل إلى الاكتئاب.
وكشف هذه الحالة ليوناردو دافينشي، وجوسيب دي ريبير، من خلال رسوماتهم، كما أن هذا التشوه يمكن أن يصيب الحيوانات التي تُستخدم لها إجراءات لا تستخدم للإنسان.