الاكتئاب الموسمي.. اضطراب عاطفي يرتبط بفصول السنة

مقالات

تتغير فصول السنة بين الربيع والصيف والخريف والشتاء، ولكل فصل منها سمات مختلفة عن الآخر سواء من ناحية الطقس أو طول اليوم ونحو ذلك.
ويرتبط كل شخص بفصل من هذه الفصول بصورة نفسية، فالبعض يعشق الشتاء بسبب الجو البارد، والذي يساعدهم على الحركة والنشاط، في حين أن آخرين يرون أن الصيف أفضل، لأنهم يخشون الإصابة بالأمراض في الشتاء.
يحبذ آخرون الخريف لطبيعة الجو فيه، والتي تتسم بالدفء مع الإحساس ببعض البرودة المنعشة، وفريق رابع يعشق الربيع بسبب ما يجده من تغير في الطبيعة حوله.
ويوجد فريق خامس يتأثر سلباً من هذه التغيرات المناخية؛ حيث يصاب بحالة من الاكتئاب، والتي تسمى الاضطراب العاطفي الموسمي، أو الاكتئاب الموسمي، والتي تؤثر فيهم بشكل كبير.
ونتناول في هذا الموضوع مرض الاضطراب العاطفي الموسمي بكل جوانبه، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعرضها التي تميزها عن غيرها من الأمراض، وطرق الوقاية التي ينصح بها الباحثون، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة، والأبحاث التي خاضت في هذا الشأن.

نفس الوقت

توضح دراسة أوروبية حديثة، أن هذا الاضطراب يبدأ وينتهي في نفس الوقت من كل عام، وفي الأغلب، فإن الأعراض المرتبطة به تظهر أواخر الخريف أو أوائل الشتاء، وتختفي مع دخول الربيع والصيف.
ويعاني البعض نمطاً آخر، فتبدأ الأعراض في الربيع أو الصيف، وتنتهي بدخول الخريف والشتاء، وفي الحالتين، فإن الأعراض تبدأ معتدلة وتزيد حدتها مع تقدم الموسم، وربما يتطور هذا الاضطراب مع البعض حتى يصبح مرضاً.
وتعد أبرز أعراض الاكتئاب الموسمي الشعور بالحزن والخمول واضطرابات المزاج، والذي يعود إلى غياب الشمس وبرودة الجو، وذلك بالنسبة لمن يكتئبون في الشتاء.
ويعاني البعض تغير الحالة المزاجية خلال الربيع، على الرغم من أنه الفصل المفضل لدى الكثيرين، وذلك بسبب اختلال التوازن الكيميائي بالمخ، أو كثرة التعرض للشمس، وأظهرت دراسات طبية ارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب والأفكار الانتحارية أثناء الربيع.
ويتعرض للإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي أي شخص، غير أن من يعيشون في مناطق يكون النهار فيها قصيراً في الشتاء عرضة أكثر للإصابة به، كما أن فرصة إصابة النساء أكبر من الرجال.

حالة من الكآبة

تظهر أعراض الاكتئاب الموسمي في نفس الوقت من كل عام، وتشمل حالة من الكآبة يشعر بها المصاب على مدار يومه، ويترتب عليه أن يفقد اهتمامه بالأنشطة والهوايات المعتادة.
ويشعر كذلك أن طاقته تنخفض، كما يعاني اضطرابات في النوم، وتغيرات في الشهية والوزن، في العادة ينقص في الربيع والصيف ويزيد في الخريف والشتاء.
ويجد صعوبة في التركيز، ويتملكه شعور باليأس، ويسيطر عليه في بعض الأحيان الشعور بالذنب والدونية، والأفكار السلبية والمتشائمة، وربما يصل به الأمر إلى التفكير في الانتحار.
ويتسبب هذا الاضطراب بأن يكون سريع الغضب والتذمر، كما أنه يصاب بالتوتر، ويكون متقلب المزاج بشكل كبير للغاية

الشتاء والصيف

تشمل أعراض اكتئاب الخريف والشتاء، إحساس المصاب بالخمول خلال النهار وطول المدة التي ينامها، كما يصاب بالشراهة والرغبة الشديدة في تناول الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات، وهو ما يترتب عليه زيادة وزن المصاب، كما يعاني التعب والإرهاق.
وتتضمن أعراض الاكتئاب في الصيف اضطرابات في النوم، والإصابة بالأرق، مع ضعف في الشهية، يترتب عليه فقد الوزن، وربما يعانى المصاب التوتر والقلق.
يمكن أن يؤدي الربيع والصيف، إلى ظهور أعراض الهوس لدى من يعانون اضطراباً ثنائي القطب، وتكون الأعراض بمثابة هوس خفيف، وربما كان الخريف والشتاء وقتين للاكتئاب بالنسبة لهم.

فكرة التغيير

ترجع الإصابة بالاكتئاب الموسمي إلى مجموعة من العوامل، وذلك لأن السبب الرئيسي لهذه الحالة غير معروف حتى الآن.
ويأتي على رأس هذه العوامل فكرة التغيير، والتي يشعر بها المصاب عندما تتغير فصول السنة، فالشخص المعرض للإصابة بهذا الاضطراب يجد نفسه وكأنه يقف على أرض غير مستقرة، وبالتالي يصاب بالقلق والخوف من أي شيء.
ويزداد هذا الأمر لدى هؤلاء الذين يعانون الحساسية الشدية نحو تغير الأشياء، ولذلك تظهر معاناتهم من القلق والاكتئاب بشكل سهل، وهو الأمر الذي يحدث خلال تقلبات الفصول.

غياب الشمس

يمكن أن يؤثر غياب أشعة الشمس في التفاعلات الكيميائية التي تتحكم في الحالة المزاجية، والتي توجد في المخ، كهرمون الميلاتونين، وذلك لأن انخفاض مستوى الضوء خلال فصلي الخريف والشتاء يسبب الاكتئاب، كما أن هذا الانخفاض ربما يعطل الساعة الداخلية للجسم، وبالتالي يصل إلى الإحساس بالاكتئاب.
ويتولد شعور الحزن لدى البعض بسبب تغير درجة الحرارة حتى تصبح دافئة، ويتسبب تغير الساعة البيولوجية لدى المصاب، والأطعمة التي يتناولها في الإحساس بالتوتر.
ويظهر عدد من المشاكل الصحية لدى البعض في فصل الربيع، مثل مرض الحساسية؛ حيث تؤثر على العين، كما أن الجلد يصاب بالالتهاب، وكل هذا يؤثر في قدرات العقل، وبالتالي تتعكر الحالة المزاجية.
ويعاني البعض الاكتئاب الموسمي في بعض الأحيان بشكل أكبر، وذلك نتيجة وجود تاريخ عائلي للإصابة بالاكتئاب بصفة عامة.

أسابيع وشهور

يجب أن تستمر أعراض هذا الاكتئاب الموسمي من أسابيع وحتى أشهر، وليس مجرد أيام حتى يتم تشخيص الحالة بهذا الاضطراب.
ويعد التفريق بين أعراض الاكتئاب بصفة عامة والاكتئاب الموسمي أمراً صعباً، ولذلك يعتمد الطبيب في التشخيص على معرفة الأوقات التي يعانيها المصاب بالاكتئاب، وكذلك تكرارها في كل سنة.
ويمكن أن يرفض البعض فكرة البحث عن علاج تحت دعوى أن الشتاء فصل مؤقت، غير أن هذا الأمر خطأ، لأن المرض من الممكن أن يستمر فترة أطول، كما أنه يساعد في تلافي المضاعفات.
وتشمل مضاعفات هذه الحالة انسحاب المصاب اجتماعياً، ويمكن أن تظهر مشاكل في العمل أو الدراسة، وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى تعاطي المخدرات.
ويعاني البعض اضطرابات الصحة العقلية الأخرى، كاضطرابات الأكل والقلق، كما رصدت بعض الدراسات انتشار الأفكار الانتحارية بين المصابين بهذا الاكتئاب الموسمي.
ويحذر الأطباء النساء على وجه الخصوص من إهمال هذه الحالة، والتي ربما تتسبب يالإصابة بالهستيريا أو تتداخل معها.

3 طرق

يعتمد علاج الاكتئاب الموسمي على إحدى 3 طرق، وتضمن تناول العقاقير المضادة للاكتئاب وعلاج الناحية النفسية، والثالث هو العلاج باستخدام الضوء.
يمكن أن يلجأ الطبيب المعالج إلى وصف مضادات الاكتئاب، والتي تعيد توازن المخ، وتسيطر على إفرازات الهرمونات التي تغير المزاج.
ويجب على المريض الالتزام بتعليمات الطبيب في تناول الدواء، وذلك لكي لا تنعكس آثاره، كما أن لهذه الأدوية آثاراً جانبية ربما زادت من حدة الاكتئاب.
ويساعد على التخلص من أعراض هذا الاضطراب عناية المصاب بصحته النفسية والجسدية، فعليه تجنب أي مؤثرات خارجية تسبب له التوتر والقلق، وكذلك البعد عن المشاكل الأسرية أو في العمل، ومحاولة التعامل مع الآخرين من دون تعقيد.

استخدام الضوء

يعود بالنفع على الصحة الجسدية، ممارسة الرياضة، وعلى سبيل المثال المشي، لأن له فوائد جمة، ويحبذ أن يكون في الصباح، كما أن ممارسة الرياضة في النهار والشمس ساطعة مفيدة أيضاً.
وأظهرت مجموعة من الأبحاث أن المصابين بالاكتئاب الموسمي يتحسنون مع التعرض للضوء الساطع، ولذلك فالعلاج بالضوء يعتبر من أفضل العلاجات لهذه المشكلة، ويتحسن في الأغلب المصاب بعد انتظامه لمدة أسابيع عدة.
ويشمل هذا العلاج نوعين، الأول الضوء الساطع، وفيه يجلس المصاب أمام صندوق ساطع يومياً لمدة 30 دقيقة، وذلك في الصباح.
ويتم في النوع الثاني محاكاة الصبح، وذلك باستخدام محاكاة للضوء، والتي تبدأ في تسطع بصورة تدريجية كضوء الشمس.

نصائح مفيدة

توجه دراسة أمريكية جديدة، عدداً من النصائح المفيدة التي تساعد في التغلب على أعراض مرض الاكتئاب الموسمي، ومن ذلك البحث عن العادات الثابتة، والتي يمارسها المصاب في جميع الفصول كالاستحمام في توقيت ثابت.
ويجب التأكد أن الجسم يحصل على احتياجاته الأساسية، كالغذاء المناسب وشرب كمية ماء كافية، والحصول على ساعات النوم المطلوبة لراحة الجسم، وممارسة نشاط حركي، مع عدم الاستسلام للخمول والكسل.
ويمكن أن يوفر التواصل مع الأصدقاء في هذه الأجواء فرصة لضبط الحالة المزاجية، ولذلك يجب عدم الانقطاع عنهم، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية والمناسبات والألعاب.
ومن أسباب الاكتئاب أن الطبيعة تفقد ألوانها المبهجة، ولذلك فإن توفير ألوان زاهية في البيئة التي يوجد فيها المصاب من الممكن أن تخفف معاناته جراء هذا الاضطراب.
وينبغي على المصاب عدم التوقف أمام هذه الفترة، ومعرفة أنها مجرد مدة زمنية قصيرة سوف تنتهي سريعاً، وبعدها يستعيد عافيته النفسية.