«داء تنجير».. مرض وراثي يشوه الجسم

مقالات

يعد داء تنجير أحد الأمراض الوراثية، التي تؤدي إلى نقص كبير في كمية البروتين الدهني مرتفع الكثافة في الدم، والذي يشار إليه بالكوليسترول الجيد.
وتطلق على هذا المرض عدة أسماء، فيسمى بفقد البروتين الشحمي بيتا من الدم، ومتلازمة بازن كرنز فايغ، ونتيجة الإصابة به حدوث اضطراب في امتصاص الدهون والفيتامينات الذائبة بالدهون مثل فيتامين «أ» و«د» و«ه»، ومن الممكن أن تظهر الفحوص المعملية قيماً منخفضة من الكوليسترول السيئ، والبروتين الشحمي المنخفض الكثافة.
تظهر أعراض هذا المرض على الجهاز الهضمي والعصبي والدم والعينين، كما أن الأعراض تهاجم المصاب في الغالب خلال مرحلة الطفولة، وبسببها لا يحرز الطفل زيادة في الوزن، كما أن النمو يكون أقل من المعدل الطبيعي.
ويؤثر كذلك في الأعصاب، فيتأثر التوازن والحركة، وتنسيق العضلات، كما يفقد الإحساس بالأطراف، ومن العلامات أيضاً قعس الظهر وانحناؤه والأقدام المقوسة.
ويوجه العلاج إلى تعويض النقص في بروتين بيتا والفيتامينات، مع تجنب الإكثار من الدهون، واعتماد مشتقات الألبان منزوعة الدسم. ونتناول في هذا الموضوع مرض داء تنجير بكل جوانبه، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعرضها التي تظهر وطرق الوقاية الممكنة، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

الشهور الأولى

توضح دراسة سويدية حديثة أن أعراض فقد البروتين الشحمي «بيتا» من الدم تظهر في الشهور الأولى من العمر، وذلك لأن البنكرياس لا ينشط في هذه المرحلة، وبالتالي يعاني الفشل في اكتساب الوزن، وفشل النمو وفق المعدل المتوقع.
ويؤثر هذا المرض كذلك في امتصاص الدهون الغذائية والكوليسترول، وبعض الفيتامينات، ويعاني المصابون عدم القدرة على تصنيع بروتينات دهنية معينة، وهي الدهون الثلاثية، ما يتسبب في نقص العديد من الفيتامينات كفيتامين «أ»، و«د»، و«ه»، و«ك»، إلا أن كثيراً من الآثار الملاحظة يكون سببها نقص فيتامين «ه» بالذات.
وتؤثر أعراض نقص البروتين الشحمي «بيتا» في مختلف أعضاء الجسم، وكذلك على مراحل عمرية متعددة بداية من الأطفال الرضع، وحتى عمر العشرين.
ويعاني من يصابون بهذا المرض من الأطفال أعراضاً تتعلق بأمراض الجهاز الهضمي، وتحدث بصورة ثانوية نتيجة ضعف امتصاص الدهون.
وتتضمن وجود براز شاحب، وإسهال دهني، وتقيؤ وانتفاخ في البطن، وفي أغلب الأحيان فإن هؤلاء الأطفال لا يحرزون زيادة في الوزن.

مضاعفات عصبية

يمكن أن يتسبب نقص فيتامين «ه» في بعض المضاعفات العصبية الشبيهة بالتنكس النخاعي، وذلك بين عمر 2 إلى 20 عاماً.
ويقصد بالتنكس النخاعي مجموعة من الاضطرابات، كضعف تدريجي في تنسيق الحركات الإرادية، وذلك نتيجة تلف بعض الأنسجة في الدماغ.
وتشمل الأعراض العصبية كذلك فقدان المنعكسات الوترية العميقة، مثل الموجودة في الركبة، مع صعوبة في الكلام، فيصاب بالتأتأة وعسر التلفظ، وتشمل أيضاً الرجفان وضعف العضلات، وربما عانت بعض الحالات تأخراً في النمو وإعاقة ذهنية.
ويمكن أن يحدث تلف أو خلل في الجهاز العصبي المحيطي لدى بعض الحالات، وتختلف الأعراض المرتبطة به من مصاب لآخر، ومن الممكن أن تشمل ضعفاً في عضلات الساقين والذراعين، ويمكن أن يكون هناك إحساس غير طبيعي كالوخز أو الحرق أو الخدر.

تشوهات الهيكل العظمي

يمكن أن يعاني بعض المصابين بفقد البروتين الشحمي بيتا من الدم بعض التشوهات في الهيكل العظمي، والتي تتسبب في انحناء إلى الخلف، يسمى القعس، أو انحناء جانبي للعمود الفقري، يسمى جنف حدابي، أو قدم عالية، أو القدم الخمصاء، أو قدم مشوهة حنفاء.
وتعود هذه التشوهات في الغالب إلى اختلال العضلات أثناء مراحل نمو العظام الحاسمة، وربما سببت هذه التشوهات مشاكل للمصابين تؤدي إلى حاجتهم للمساعدة عند الوقوف والمشي.
ويعاني المصابون بهذا المرض انخفاض مستوى الدهون الثلاثية بشكل كبير، ولذلك ينقل لهم الدهون والفيتامينات التي تكون قابلة للذوبان، وربما عانى البعض تشوهات في الدم، وهي الحالة التي تسمى بالكريات الشائكة في الدم، حيث تكون الكريات ذات نتوءات شوكية الشكل.

التهاب الشبكة الصباغي

يمكن أن يتسبب المرض في الإصابة بفقر الدم، ومن أعراضه التعب والضعف والدوار والدوخة والصداع والجلد الشاحب، ومن الممكن أن تنخفض مستويات عامل تخثر الدم، وبالتالي تزداد فرص النزيف.
ويعاني بعض المصابين إصابة في العين تسمى التهاب الشبكة الصباغي، وهي قليلة الحدوث، وبسببها فإن الأعصاب التي تبطن العينين يحدث بها تلف تدريجي، وتتسبب هذه الحالة في ضيق أفق الرؤية، والعمى الليلي وعمى الألوان، ومن الممكن أن يتطور المرض لدى البعض إلى الدرجة التي يفقد فيها حدة البصر.
وتوجد في بعض الأحيان أعراض إضافية تؤثر في العينين، ومنها حركات العين السريعة، وتدلي الجفن العلوي، والحول، وتفاوت الحدقتين، وشلل بالعين، ويحدث التهاب الشبكية الصباغي غالباً في عمر العاشرة.

عيب ولادي

يعتبر السبب الرئيسي وراء الإصابة بفقد البروتين الشحمي «بيتا» من الدم عيباً يولد به الطفل في أحد النواقل، وتمنع هذه الطفرة البروتين من نقل الكوليسترول والدهون بشكل فعال خارج الخلايا، حتى يتم التقاطه في مجرى الدم.
ويوفر هذا الجين معلومات صنع البروتينات المكلفة بنقل الدهون الثلاثية الصغيرة، وهذا البروتين مهم لتصنيع البروتينات الدهنية «بيتا»، وهي ضرورية لامتصاص الدهون والكوليسترول، والفيتامينات التي تذوب في الدهون من الغذاء.
وتعتبر كذلك ضرورية لنقل هذه المواد بشكل جيد في مجرى الدم، وتتسبب أغلب طفرات هذا الجين في تكوين نوع من البروتين لنقل الدهون الثلاثية القصيرة بصورة غير معتادة، وبالتالي يمنع تكوين البروتينات الدهنية «بيتا» في الجسم بشكل طبيعي.
ويتوارث هذا الداء، وهو ما يعني أنه حتى يظهر هذا النمط ينبغي وجود نسختين من الجين في النمط الجيني، حيث لابد أن يحمل الوالدان هذا الاضطراب في الأصباغ الجسمية التي تقهر نسخة الجين المتغير حتى يصاب الابن، غير أن المؤشرات وأعراض المرض لا تظهر عليهم.

إجراءات التشخيص

يبدأ تشخيص الإصابة بداء تنجير بأخذ عينة من البراز والدم، مع إجراء لوحة للدهون خلال الصيام، وبالرغم من أن هذه الاختبارات لا تؤكد الإصابة إلا أنها توضح بعض المؤشرات والدلائل.
ويعد اختبار الوراثة الفيصل في تحديد الإصابة، وإن كان في العادة لا يبدأ الطبيب بإجرائه، وذلك لأن الإصابة بهذا المرض قليلة.
ويمكن رؤية الكثير من الخلايا المشوهة في عينة الدم، وكذلك رؤية فراغات تحتوي على دهون في الخلايا المعوية من خلال خزعة الأمعاء.
ويحتاج المصاب بمرض فقد البروتين الشحمي بيتا من الدم إلى تنسيق جهود فريق من المتخصصين، والذي يشمل أخصائيين للأعصاب والكبد والعيون، ومتخصصين في دراسة الدهون، وكذلك أخصائيين في الجهاز الهضمي وخبراء تغذية.
وتشمل خطة العلاج وضع مخطط شامل ومنهجي، مع متابعة المريض كل فترة، تتراوح بين 6 إلى 12 شهراً، ويجب إجراء فحوص عصبية للعين بصورة روتينية، وذلك لمعرفة أي تدهور في العين أو أمراض عصبية.

العلاج الغذائي

يستجيب كثير من المصابين للعلاج الغذائي، والذي يتكون من نظام غذائي منخفض الدهون، وبخاصة السلسلة الطويلة من الأحماض الدهنية المشبعة، وكذلك خفض كمية الدهون الغذائية بصفة عامة.
وتخفف هذه الإجراءات كثيراً من أعراض الجهاز الهضمي، ومن الضروري أن يتلقى المريض مشورة غذائية بصورة مستمرة، ويمكن استكمال الحمية الغذائية في الرضع بأحماض دهنية متوسطة السلسلة، والتي يتم نقلها في الدم بدون بروتينات دهنية، وذلك بهدف تعزيز النمو الطبيعي للرضيع.
ويفيد أيضاً تناول جرعات عالية من الفيتامينات، والتي تقبل الذوبان في الدهون عن طريق الفم في منع أو تفاقم الأعراض التي ترتبط بهذا المرض.
ويمكن أن تمنع كذلك المضاعفات التي تصيب الأعصاب وشبكية العين، كما أن المكملات الغذائية تخفف في أحيان كثيرة من الأعراض التي ترتبط بنمو العظام.
ويجب عند كل متابعة قياس مستويات الفيتامينات التي تقبل الذوبان في الدهون وفي الدم، لأن مستويات الدم لا ترتبط مع كمية الفيتامينات التي يتناولها المصاب، ولذلك فإن الجرعات يتم تعديلها بناء على نتائج تحليل الدم وفحوص الأعصاب والعينين.

سبب التسمية

تعود تسمية المرض إلى اكتشاف أولى الحالتين اللتين أصيبتا به في جزيرة تنجير؛ وذلك بين عامي 1959 و1960؛ وذلك لأخوين شقيقين.
تنصح دراسة أمريكية جديدة بالبدء في علاج داء تنجير في مرحلة مبكرة من المرض؛ وذلك لأنه ربما تتراجع المضاعفات العصبية، وكذلك منع تدهور الحالة بشكل كبير. كما يجب في الحالات التي يعاني فيها الأطفال مرض فقد البروتين الشحمي «بيتا» من الدم بإجراء فحوص وراثية.
وكانت الدراسات أشارت إلى وجود بعض العلاجات المستقبلية، ومن ذلك دراسة العلاج الجيني، وفيه يتم إدخال الجين العلاجي لإنتاج البروتين النشط، مع منع تطور المرض. ويقابل هذا النوع من العلاج في الوقت الحالي عدة صعوبات تقنية، والتي في حاجة إلى حل قبل طرحه، وإن كان يمكن التوصية به كنهج قابل للتطبيق في المستقبل.