«الغرغرينا».. التشخيص الدقيق مفتاح الوقاية

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تعد الغرغرينا من المشكلات المزمنة التي تعرض الشخص المصاب للعديد من المضاعفات، وعند إهمالها يمكن أن يتفاقم الأمر وتكون النتيجة بتر الجزء المتضرر، وتنتشر على الأكثر في الأطراف كالأيدي والأقدام، وهي تستهدف الذين يعانون السمنة وداء السكري والآفات القلبية والمدخنين ومعظم الأمراض التي تعوق وصول الدم بشكل طبيعي إلى الأوردة والشرايين، وتصاحبها بعض العلامات مثل وجود تورم وحرارة في مكان الإصابة، ويعتمد العلاج على الأدوية والعقاقير التي تحد من تفاقم المشكلة وتطورها، وربما يلجأ الطبيب للاستئصال الجراحي للحد من انتشارها في باقي الأعضاء المحيطة.
يقول الدكتور معن طباع، استشاري جراحة العظام، إن الغرغرينا هي موت الأنسجة الحية نتيجة انقطاع الأكسجين والمواد الغذائية عن مكان ما في جسم الإنسان، وهناك نوعان منها وهما: الغرغرينا الجافة التي تتطلب بتر واستئصال الجزء الميت، والنوع الآخر يسمى الغرغرينا الرطبة وهي إنتان جرثومي، حيث إن هذه الجراثيم تفرز «ذيفان شال» وهو المعروف بالبوتكس، ويؤدي إلى شلل في العضلات وخاصة التنفسية، ما يعرض المريض في بعض الحالات للموت اختناقاً، ويعد السبب الأكثر شيوعاً للإصابة بالغرغرينا ضيق الشرايين المغذية للأطراف أو الأعضاء الحية بسبب التعرض لرضوض ما كالجروح النافذة أو كسور العظام، وخاصة الطويلة وما شابه من الإصابات الحادة، وهناك عوامل مزمنة لانقطاع التروية الدموية، كانسداد وتضيّق الشرايين في مرض السكري أو تشكل الخثرات الشريانية وغيرها من الأمراض الوعائية.

أنواع الغرغرينا

يشير د.معن إلى أن الغرغرينا الجافة شائعة ومنتشرة باستمرار بين المصابين، لأن سببها هو انسداد الشرايين والأوعية الدموية وهذا الشيء وارد بسبب الأمراض المزمنة خاصة، وأحياناً بالإصابات الحادة، واستدراكها وتشخيصها مبكراً يضمن التمكن من علاجها، واليوم تتوفر لدينا خبرات متقدمة في مجال جراحة الأوعية الدموية، فعندما يشخص احتمال نقص التروية الدموية في الأطراف، يمكننا توسيع الشرايين ببالونات خاصة أو وضع الشبكات أو حتى عمل مفاغرة شريانية تنقل الدم من المنطقة السليمة إلى المنطقة المحيطية، متجاوزة الشرايين المتضيقة أو المقطوعة بسبب الرضوض، ما ينتج عنه انخفاض شديد في حالات الغرغرينا الجافة، لذلك يعد التشخيص والتقييم الدقيق والوقائي لحالات نقص التروية الدموية للأمراض المزمنة وخاصة السكري، مفتاحاً لمنع تكرار هذه الإصابات سريرياً في ممارستنا، وهذا يتطلب التوعية الدائمة للمرضى بالأمراض المزمنة الوعائية والسكرية والقيام بحملات توعية مستمرة.
ويضيف: أما الغرغرينا الرطبة فهي النوع المرعب الذي يحتاج إلى المضادات الحيوية لعلاجها، وربما يتطلب أكسجة وعلاجاً خاصاً في وحدة العناية المشددة، وهي الأقل شيوعاً بسبب تقدم التدابير الصحية للجروح الملوثة بطريقة مهنية، وتؤدي إلى تخفيض شديد في هذه الإنتانات وتصيب نسبة قليلة من الأشخاص.

أعراض ظاهرية

يذكر د.معن أن علامات وجود الغرغرينا الجافة تظهر على هيئة تغيّر في لون الجلد واسوداده، ثم حدوث غياب في الحركة والإحساس بالطرف المصاب وظهور رائحة تدل على تحلل الأنسجة وموتها، وهناك بعض المناطق المستهدفة أكثر من غيرها بهذه المشكلة كالأطراف السفلية وخاصة الأصابع، وكذلك تصاب الأطراف العلوية والنهايات الحادة كالأنف في حالات البرد الشديد، وذلك بسبب التقلص الشديد للشرايين وتجمد الدم في الشعيرات، ما يؤدي إلى موت المناطق التي تنقطع عنها التروية الدموية.

فئة مستهدفة

يذكر الدكتور عمر دهيمات استشاري أمراض الغدد الصماء والسكرى، أن هناك علاقة وطيدة بين داء السكرى والإصابة بالغرغرينا، حيث إنه كلما زادت الفترة الزمنية بمرض السكرى يصبح المريض معرضاً لحدوث مضاعفات جانبية عديدة، تستهدف أعصاب القدمين بشكل خاص، ويرجع ذلك إلى نقص التروية الدموية للأنسجة في هذه المنطقة، ما يؤدي إلى حدوث قرحة في القدم بنسبة تصل إلى 25% من المصابين، وفي حال عدم علاجها يتطور الأمر وينجم عنه الغرغرينا التي تنتهي في معظم الأحوال ببتر المكان المتضرر.
ويضيف: تظهر المضاعفات على القدم في البداية بفقدان شعور المريض بأعصاب القدمين، ويمكن أن تحدث هذه المشاكل نتيجة أبسط الأسباب كارتداء حذاء ضيق أو غير مناسب، ويتسبب في جرح في أسفل القدم أو المناطق التي تحتوي على نتوء عظمية، ولا يستطيع تحريكها أو الإحساس بها مثل الإنسان الطبيعي، ولا توجد مؤشرات على وجود مشكلة ما، ولكن مع الوقت وخلال الاحتكاك يظهر تشقق في الجلد، ويتفاقم ويُحدث قرحة في أعماق القدم، وربما تصل إلى العظم، أما في حال وصول الدم بشكل كاف إلى القدمين، فإن الجسم لديه القدرة على معالجة الإصابة مبكراً.

الحد من المضاعفات

يوضح د.عمر أن القدم هي منطقة مخفية ومغلقة في أسفل الجسم، وتتحمل جميع ضغوط الأعضاء والأجهزة الأخرى، ولا يصلها الدم بنسبة كافية كباقي الأطراف، كما أنها معرضة للإصابة بآفات متعددة نتيجة المشي لمسافات طويلة، وخاصة عند الذين يعانون داء السكري والسمنة وأمراض القلب والشرايين، والكوليسترول، والضغط، والمدخنين، ولذلك ننصح هذه الفئات من الناس بضرورة الفحص الدوري المستمر والمتابعة مع الطبيب المعالج لتجنب المشكلات والمضاعفات مبكراً، كما يجب على المريض أن يعرف نوع السكري المصاب به سواء النمط الأول أو الثاني، والحرص على معالجته، ومراقبة الحالة وفحص القدمين وباطنهما يومياً في الصباح وقبل النوم للتأكد من خلوهما من القرح المرضية، وعدم السير حافياً داخل المنزل أو خارجه، وارتداء الجوارب القطنية واختيار الحذاء المناسب، وقص الأظفار بشكل منتظم، وتجنب الأماكن العامة عند المشي طويلاً.

أسباب الإصابة

يذكر الدكتور اشوك غوبتا، مختص جراحة الأوعية الدموية، أن الغرغرينا حالة يمكن أن تُهدد حياة الإنسان، وهي تنتج عن ضمور أنسجة الجسم من خلال التعفن ونمو البكتيريا دون مكافحتها لفترة طويلة، أو العدوى الخطيرة التي تكون عادة جرثومية الأصل، ويُمكن أن يكون نقص الإمداد بالدم هو السبب الرئيسي للإصابة، أو ربما تحدث العدوى أولاً، الأمر الذي يُؤدي إلى انسداد مجرى الدم إلى منطقة العدوى ومن ثم تحدث الإصابة، حيث إن الخلايا لا يمكنها البقاء على قيد الحياة من دون الإمداد المناسب بالدم، وتتحلل الأنسجة. وتتميز الغرغرينا الجافة بوجود جفاف في المنطقة المصابة وذبولها، وهي تنمو ببطء، أما النوع الرطب فهو يستهدف الأشخاص المصابين بداء السكري ويؤثر سلباً في القدم نفسها أو أحد الأصابع، ويوصي الخبراء بعلاجها على الفور، لأنها تنتشر بسرعة ويمكن أن تكون قاتلة.

عوامل الخطر

ينبه د.اشوك إلى أن هناك بعض العوامل التي تزيد من احتمالية الإصابة بالغرغرينا، وتعرض الأشخاص لمضاعفات متعددة وخطيرة مثل:
* مشكلات الأوعية الدموية، حيث يُمكن للشرايين المُتصلبة أو الضيقة (المصابة) والجلطات الدموية أن تمنع تدفق الدم إلى إحدى مناطق الجسم.
* السمنة التي تصاحبها في أغلب الأحيان أمراض السكري والأوعية الدموية، ما يؤدي إلى انخفاض تدفق الدم وزيادة خطر الإصابة بالعدوى وضعف التئام الجروح.
* يُعاني المدخنون ارتفاع نسبة خطر الإصابة بالغرغرينا، حيث يحتوي دخان السجائر على العديد من المواد الكيميائية بما في ذلك النيكوتين الذي يتسبب في تضييق الأوعية الدموية في القلب والدماغ والدورة المحيطية.
* يعتبر داء السكري مرضاً يعتمد على نمط الحياة، ويمكن لمستويات سكر الدم المرتفعة أن تتلف الأوعية الدموية في النهاية، ما يقلل أو يقطع تدفق الدم إلى أحد أجزاء الجسم.
* الأدوية التي تُؤخذ عن طريق الحقن، ففي حالات نادرة، ثبت أن بعض هذه العقاقير غير المشروعة التي تُؤخذ عن طريق الحقن تُسبب عدوى بالبكتيريا التي تسبب الغرغرينا.

طرق تشخيصية

يؤكد د.اشوك على أن الغرغرينا تُعد حالة يمكن أن تهدد حياة الإنسان، حيث تجعله ملازماً للمرض، وعند الشعور بأعراض المرض يجب أن يُعرض المريض فوراً على فريق من المتخصصين، لإجراء تشخيص الغرغرينا على مستويات مختلفة، بداية من دراسة التاريخ المرضي، والفحص السريري، وتقييم المخاطر باستشارة طبيب الغدد الصماء، وتقييم غير توغلي للحساسية والدورة الدموية عن طريق دراسات فحص دوبلر الشرياني واختبار سرعات التوصيل العصبي، وكذلك التصوير التوغلي الذي يمكن أن يكون على هيئة تصوير مقطعي محوسب بالرنين المغناطيسي أو عند التخطيط باستخدام خيار العلاج السلكي، عن طريق التصوير التقليدي للأوعية ضمن مختبر القسطرة.

خطة علاجية

يوصي د.اشوك بعلاج مرضى داء السكري بمساعدة مختص الغدد الصماء، ليجري معالجة الاعتلال العصبي، كما أنهم يحتاجون إلى رعاية علمية خاصة من جانب مختص قدمين مدرب وذي خبرة لاختيار الحذاء المناسب لحالتهم، ويتم تقييم القدمين من خلال فحص القدم ثم معالجة ما بها من جروح، وتقديم عدة نصائح حول ما يجب ارتداؤه في القدم، ويكون ذلك تحت رعاية وإشراف مختص قدمين. وربما يُعاني عدد قليل من المرضى مضاعفات الأوعية الدموية في القلب والدماغ والقدمين، وبشكل عام يجب توخي الحذر من المضاعفات المتعلّقة بالقلب والدماغ أكثر من القدمين، وربما يشتمل العلاج على عمليات لتحسين تدفق الدم إلى الدماغ والقلب (عملية مجازة الشريان التاجي أو رأب الأوعية التاجية)، وفي الحالات المناسبة، يمكن أيضاً إجراء العمليات الجراحية الالتفافية في الساقين، بعد تثبيت المريض، فضلاً عن رأب الأوعية الدموية المحيطية.

سبل وقائية

يشير د.اشوك إلى أن جهد الفريق الطبي بأكمله يتركز على إنقاذ حياة المريض، وخاصة أطرافه المصابة إن أمكن، حيث إن معظم حالات الغرغرينا تؤدي إلى بتر الأطراف، وتتمثل سُبل الوقاية في العناية الذاتية لمرضى السكري، والتي تعتبر أحد أهم الجهود الفعّالة التي يمكن أن يقوم بها أي مريض، لمنع أو تأخير ظهور المضاعفات الناتجة عن داء السكري، وكذلك إنقاص الوزن الذي يعرض الشخص إلى خطر العدوى وبطء التئام الجروح، وضرورة التوقف عن تدخين التبغ، حيث إن التدخين لمدة طويلة يمكن أن يضر الأوعية الدموية، كما يجب على الفرد أن يساهم في وقاية نفسه من العدوى وخاصة القدمين.

فحص دوبلر

يلجأ الطبيب للتخطيط فوق الصوتي أو ما يطلق عليه «فحص دوبلر» لتقدير نسبة تدفق الدم في الأوعية والشرايين، وتستخدم فيه الموجات فوق الصوتية عالية التردد، لتشخيص الإصابة بالجلطات الدموية، وانسداد الصمامات أو القصور الوريدي، وضيق الشرايين أو تمدد الأوعية. وفي بعض الحالات، يمكن أن يكون هذا التخطيط بديلاً لأشعة حقن الصبغة الذي يتم بداخل الأوعية، كما أنه يساعد على مراقبة الجروح الموجودة وتحديد طريقة العلاج المناسبة للمريض.