النوم الجيد.. فوائد صحية وحماية من الخرف

مقالات

اكتشف العلماء أن الدماغ يغسل نفسه بسائل منظف عندما ينام الشخص، الأمر الذي قد يقي من الخرف. وأجرى باحثون من جامعة بوسطن دراسة شملت 13 شاباً وقاسوا خلالها المؤشرات الحيوية لأدمغتهم وهم نيام، واكتشفوا أمراً مذهلاً.

وتفصيلاً، شاهد الباحثون السائل النخاعي (CSF) وهو يندفع إلى المخ كل 20 ثانية أو نحو ذلك على شكل موجات نابضة.

يُعتقد أن السائل النخاعي، وهو سائل صافٍ موجود أيضاً في العمود الفقري، يطرد المواد السامة التي تشارك في تطور مرض الخرف.

فهم جديد لأمراض الدماغ

ولأول مرة، تمكن العلماء من توثيق العملية والتقاط صور لها، ويأملون في أن تمهد الطريق لفهم أمراض الدماغ.

وقال العلماء إن الأشخاص الذين يحصلون على قسط وافر من النوم يمكنهم حماية أنفسهم من التدهور الإدراكي.

وقالت البروفيسورة لورا لويس المشاركة في الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس» إن للسائل النخاعي تأثيراً كبيراً على صحة الدماغ.

وأضافت: «إن تدفق السائل النخاعي على شكل موجات نحو الدماغ هو أمر لم نكن ندرك حدوثه على الإطلاق، والآن يمكننا إلقاء نظرة فاحصة على دماغ أحدهم والحصول على قراءة وافية له والحالة التي يكون عليها في وقت معين».

مراقبة نشاط الدماغ

ودرس الباحثون 13 شخصاً أصحاء تتراوح أعمارهم بين 23 عاماً و33 عاماً وتم تعريضهم لجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي أثناء نومهم. وفي الوقت نفسه، راقب العلماء أنواعاً مختلفة من النشاط في أدمغة المشاركين.

وقاست الأقطاب الكهربائية نشاط الخلايا العصبية، في حين قاس جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي مستويات الدم المشبع بالأوكسجين الذي يمنح الطاقة لتلك الخلايا العصبية.

وباستخدام شكل آخر من أشكال التصوير بالرنين المغناطيسي، قام الفريق أيضاً بقياس تحركات السائل النخاعي في الدماغ.

وأثناء نوم المشاركين، ظهرت الإشارات الكهربائية المعروفة باسم الأمواج البطيئة أو «موجات دلتا». وبعد بضع ثوانٍ، بدأ الدم بالتدفق من رؤوسهم.

ومن ثم، بدأ السائل النخاعي بالتدفق في الدماغ على شكل موجات إيقاعية نابضة.

وقالت لورا لويس لمجلة «ساينس»: «لم يسبق لي رؤية هذا المنظر، لقد كان أمراً لافتاً للغاية».

يشيخ دماغ الإنسان في عمر 25 عاماً، وفقاً لأبحاث أجريت في فبراير 2017. ووجدت دراسة أجرتها جامعة «لانكستر» أن السائل النخاعي «Cerebrospinal fluid» واختصاراً (CSF)، الموجود في المخ والنخاع الشوكي، تتغير سرعة حركته في الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 25 عاماً.

وترتبط تحركات السائل النخاعي بالتنفس ومعدل ضربات القلب، وارتبطت في السابق التغييرات في حركته بأمراض مثل التصلب المتعدد وارتفاع ضغط الدم.

وليس من الواضح ما إذا كانت هذه التغييرات المتعلقة بتدفق السائل النخاعي مرتبطة باضطرابات الدماغ التي تصيب كبار السن مثل الخرف.

تراكم البروتينات السامة

يشار إلى أن الأشخاص المصابين بالأمراض العصبية التحللية مثل الزهايمر، وهو الشكل الأكثر شيوعاً من الخرف، تكون تحركات موجات دلتا في أدمغتهم أقل وأضعف، وهذا الأمر يمكن أن يؤثر في مستويات تدفق الدم في المخ ويقلل من ضخ السائل النخاعي للدماغ أثناء النوم.

ونتيجة لذلك، يمكن أن يؤدي إلى تراكم البروتينات السامة وضعف قدرات الذاكرة.

وقالت لويس: «نتوقع أيضاً أن تكون هناك موجات أقل وأصغر من السائل النخاعي مع تلك الاضطرابات، وقد يكون لذلك تأثير في كيفية التخلص من السموم».

ويُعتقد أن كتل البروتين الموجودة في المخ والتي تسمى تشابكات وصفائح تاو، تلعب دوراً في الإصابة بالخرف.

وتشير الأبحاث السابقة إلى أن تدفق السائل النخاعي ونشاط الموجات البطيئة يساعدان في التخلص من البروتينات السامة التي تضعف ذاكرة الدماغ.

ويميل الباحثون إلى تقييم هذه العمليات، أي تدفق السائل النخاعي وتدفق الدم وموجات الدماغ، بشكل منفصل. ومع ذلك، يبدو أن هذه العمليات مرتبطة بشكل وثيق للغاية، لكن ليس من المعروف ماهية هذا الارتباط حتى الآن.

وأوضحت لويس: «نحن نرى أن التغيير العصبي يحدث أولاً، ثم يتبعه تدفق الدم من الرأس، ويليه تدفق السائل النخاعي نحو الرأس».

الحد من مخاطر الخرف

وتشير إحدى التفسيرات إلى أن خلايا الدماغ لا تحتاج إلى الكثير من الأوكسجين أثناء النوم، لذلك يترك الدم المنطقة. ومع تراجع مستويات الدم، ينخفض الضغط في المخ ويتدفق السائل النخاعي بسرعة للحفاظ على الضغط عند مستويات آمنة، لكن هذا الأمر مجرد احتمال واحد، وفقاً ل لويس.

ويأمل فريق الأبحاث في استكشاف كيفية تأثير الشيخوخة في هذه العملية، وبالتالي سيتم توظيف مشاركين أكبر سناً لإجراء دراسة أخرى.

وأضافت لويس: «هناك العديد من الأشخاص المتحمسين للمشاركة، لأنهم يريدون الحصول على النوم مقابل المال».

وتشير النتائج أيضاً إلى أن الناس قد يكونون قادرين على الحد من مخاطر الإصابة بالخرف من خلال أخذهم لقسط وافر من النوم، وفقاً لما قاله البروفيسور ويليام جاجوست من جامعة كاليفورنيا والذي لم يشارك في الدراسة.

وقال خلال مقابلة مع الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية: «هناك مجموعة من العوامل والأسباب التي تساهم في زيادة احتمالية إصابة الشخص بالزهايمر، وأعتقد أن النوم هو أحد هذه العوامل».

ويرتبط النوم منذ فترة طويل بالخرف، لكن شكل هذا الارتباط غير مفهوم بشكل كامل. وأصبح ذلك محط اهتمام البحث، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن قلة ساعات النوم يسبب أو يفاقم احتمالية الإصابة بالخرف، بينما يقول علماء آخرون إن الخرف يؤدي إلى قلة النوم.

كثافة ووزن الدماغ

تشير الأبحاث السابقة إلى أن كثافة ووزن الدماغ يبدآن في الانخفاض بنحو 5% في كل عقد من العمر عندما يبلغ الشخص سن الأربعين.

ووفقاً لهذه النتائج، أضافت البروفيسورة أنيتا ستيفانوفسكا، المشاركة في الدراسة، أن إجراء المزيد من الأبحاث في هذا المجال يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة في فهم وتشخيص الأمراض المختلفة المتعلقة بالأمراض العصبية التحللية والشيخوخة من أجل تحسين عملية تشخيص المرضى.

واكتُشف هذا الأمر خلال تطوير آلية جديدة للتحقق من وظائف الدماغ وقياسها، حيث تمكنت من اكتشاف المرحلة التي يبدأ فيها المخ في التدهور.

وتشير الأبحاث السابقة التي أجرتها كلية «إمبريال» في لندن إلى أن المادة الرمادية في الدماغ، وهي إحدى العناصر الأساسية في الجهاز العصبي المركزي، تتقلص خلال منتصف العمر ولها علاقة بموت الخلايا.

وفي المقابل، فإن المادة البيضاء في الدماغ، والتي تتيح التواصل بين العقد العصبية، تتقلص أيضاً مع بلوغ سن الأربعين. وفي هذا العمر أيضاً يحدث تدهور في غمد المايلين، وهو عبارة عن مواد دهنية تحيط بالخلايا العصبية تحافظ على وظائف الجهاز العصبي.

ويعتقد أن هذه التغيرات تحدث بسبب انخفاض هرمونات الدوبامين والسيروتونين.