عقار لعلاج ضغط الدم يمحو الذكريات المؤلمة

مقالات

يعكف العلماء على تطوير عقار يمكنه أن يساعد الأشخاص على نسيان الذكريات السيئة، وقد اختبروه على 60 شخصاً منفطري القلوب. وتأمل دراسة التلاعب بالذاكرة والتي أجراها الدكتور آلان برونيت من جامعة «ماكجيل» في كيبيك الكندية، في إيجاد تقنية رائدة للتخفيف من أثر الذكريات المؤلمة.
ما كان في السابق خيالاً علمياً بالنسبة للتخلص من الذكريات غير المحببة، قد يصبح حقيقة بالنسبة لأولئك الذين يعانون «اضطراب التكيف» أو Adjustment disorder، والذي قد يسمى أحياناً بالاكتئاب المؤقت أو التفاعلي، أو بالاكتئاب خارجي المنشأ.
ويعاني المرضى المصابون بهذا الاضطراب عادة من أعراض مشابهة لأعراض الاكتئاب، مثل فقد الاهتمام بشكل عام، إضافة إلى الشعور باليأس والبكاء. وعلى عكس الاكتئاب الشديد، فهذا الاضطراب ما هو إلا نتاج ضغوط خارجية وعادة ما يُشفى الشخص بمجرد أن يتكيّف مع الوضع.
استدعاء الذكريات وعانى جميع الأشخاص ال 60 الذين اشتركوا في دراسة الطب النفسي هذه، من نفس المشاعر تقريباً، مثل فقد شخص عزيز أو التعرض لموقف أليم أو حادث أو إنهاء علاقة عاطفية، وكلهم أرادوا نسيان هذه الذكريات التي لم يستطيعوا التأقلم معها.
وعبر استخدام دواء لضغط الدم وغير مكلف، يدعى «بروبرانولول» “Propranolol”، طُلب من المتطوعين استرجاع ذكرياتهم المؤلمة من خلال قراءة سرد مفصل للغاية للموقف الذي كتبوه، وذلك قبل طرح أسئلة شخصية عن مشاعرهم.
وتم إجراء هذه العملية بين 4 و6 مرات، وكان فيها المتطوعون خلالها تحت تأثير البروبرانولول، بهدف إعادة تنشيط الذكريات وتقليل قوتها عن طريق منع التغييرات في نقاط الاشتباك العصبي اللازمة لتدعيم وجودها.
ويعتقد الدكتور برونيت، أن البروبرانولول، يمكن أن يخفف الآلام العاطفية المرتبطة بالذاكرة، ويمكن أن يتناوله المريض في أي وقت بعد الحدث.
والبروبرانولول هو عبارة عن حاصرات للمستقبل بيتا، كان يستخدم في الأصل لعلاج أمراض القلب والدورة الدموية، بما في ذلك الرعاش وارتفاع ضغط الدم، كما يستخدم لتخفيف أعراض القلق مثل سرعة ضربات القلب أو التعرق.
ويستهدف البروبرانولول مستقبلات بيتا الأدرينالية في الدماغ، والتي تساعد على خلق ذاكرة عاطفية قوية.
ويعتقد العلماء أن الدواء يعمل عن طريق تجريد العاطفة من الذاكرة من خلال تثبيط البروتينات اللازمة لتشكيل تغييرات في نقاط الاشتباك العصبي.
بداية جديدة وعلى الرغم من أن الدراسة اكتملت، إلا أن نتائجها لم تصدر بعد وتنتظر المراجعة.
ومع ذلك، قال الدكتور برونيت لصحيفة «ناشونال بوست» الكندية إن المشاركين لم يصدقوا أننا نستطيع فعل الكثير خلال وقت قصير، مضيفاً: «لقد تمكنوا من قلب الصفحة، والبدء من جديد. وهذا ما قالوه لنا.. لقد تمكنوا من إغلاق الصفحة ولم يعودوا مهووسين بالتفكير بذلك الشخص أو تلك العلاقة».
ويقول الدكتور برونيت إنه لا يتطلع إلى القضاء تماماً على الذكريات بسبب المشكلات الأخلاقية التي قد تنشأ عن ذلك، مشيراً: «لن يحدث ذلك في مختبري. كل ما نهدف إليه هو التخفيف من حدة هذه الذكريات المؤلمة. وما أفعله مع فريقي كان مرضياً من الناحية الأخلاقية».
قضية أخلاقية، لكنه يضيف: «إذا كان لديك خياران في أحد الأيام: إما أن أضعف من تأثير ذكرياتك أو أزيلها تماماً من عقلك، أيهما ستختار؟» واعتمد الباحثون من جامعة «ماكجيل» في عملهم على نظرية تشير إلى أن الذكريات تصبح أكثر مرونة عندما يتم استدعاؤها.
ويعتقد الدكتور برونيت، أنه يمكن تعديل الذاكرة قبل إعادة تخزينها أو «إعادة دمجها» بعد ساعتين أو خمس ساعات من استدعائها.
ويعتقد أن البروبرانولول يمنع البروتينات الموجودة في الدماغ من إعادة تخزين الذكريات بالطريقة المعهودة، مما يعني فقدان بعض تفاصيل الذاكرة.
من جهته، يقول ستيف راميريز، عالم الأعصاب في جامعة بوسطن أن «الذاكرة ديناميكية» وفي كل مرة تستدعي فيها الذكريات، فأنت بذلك وكأنك تضغط على زر «حفظ» كما لو كانت مستند «وورد»، وأي تغييرات تحدث حتى لو عن غير قصد سيتم حفظها، إلى حين موعد المرة المقبلة التي تستدعي فيها تلك الذاكرة.
وتنشأ المخاوف الأخلاقية حول عدد وأنواع الذكريات التي يمكن استخدامها مع هذه التقنية، وهل يجب السماح للأشخاص بنسيان موقف محرج قد يحتاجون إلى التعلم منه؟

دراسة مولاسون

في بدايات خمسينات القرن الماضي، كشفت دراسات أجريت على مريض كان مصاباً باضطرابات في الذاكرة، يدعى هنري مولاسون، أن الحصين يلعب دوراً مهماً في تشكيل الذكريات طويلة الأمد. ولم يعد مولاسون، الذي أصيب بتلف في الحصين أثناء عملية أجريت له بهدف مساعدته في السيطرة على نوبات الصرع، قادراً على تخزين ذكريات جديدة بعد العملية. ومع ذلك، كان بإمكانه استدعاء بعض الذكريات التي شكلت قبل الجراحة، مما يشير إلى أن بعض الذكريات طويلة الأمد يتم تخزينها خارج الحصين.
وبعد تكوّن الذكريات، يبدأ تخزينها في الدماغ على مستويات عدة، ففي المرحلة الأولى يتم تخزينها على المستوى الحسي لمدة جزء من الثانية، ثم تنتقل ليتم تخزينها على مستوى الذاكرة قصيرة المدى، ولاحقاً يتم ترحيل المعلومات المهمة، والتي يميل الناس لاستخدامها بشكل متكرر إلى الذاكرة طويلة المدى بشكل تدريجي؛ حيث تتميّز هذه الذاكرة بأنها تحتفظ بكم هائل من الذكريات ولمدة غير منتهية، مقارنة بمحدودية وتحلل الذكريات المحفوظة على المستوى الحسي أو قصير المدى.
يشار إلى أن دراسة مولاسون، أدت إلى ثورة في فهم تنظيم الذاكرة البشرية، وقد وفرت أدلة واسعة لرفض النظريات القديمة، وتشكيل نظريات جديدة عن ذاكرة الإنسان، لاسيما حول العمليات والهياكل العصبية الأساسية، كما لعبت دوراً مهما في تطوير النظريات التي تفسر الرابط بين وظائف المخ والذاكرة، وتطوير علم النفس العصبي المعرفي، وهو فرع من علم النفس الذي يهدف إلى فهم كيفية ارتباط بنية ووظيفة الدماغ في عمليات نفسية محددة.