آفات الأمعاء الغليظة.. داء العصر

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تعد الأمعاء الغليظة أو القولون من أهم الأجزاء التي تقع في نهاية الجهاز الهضمي، وتتمثل وظيفته في امتصاص بقايا الطعام والماء وتحويلها لمواد صلبة وإخراجها خارج الجسم، وينقسم إلى أربعة أجزاء: الصاعد والمستعرض والنازل والسيني، ويستهدفه العديد من المشكلات المرضية التي ينجم عنها بعض الآلام المزعجة للمصاب، وفي السنوات الأخيرة يسلط خبراء الصحة الضوء على نشر برامج التوعية التي تهدف إلى ضرورة الكشف المبكر للأشخاص بعد سن الأربعين وعمل التنظير القولوني للكشف عن وجود أي مشكلات أو أورام صغيرة يمكن أن تتفاقم وتكبر وتتسبب في الإصابة بسرطان القولون.
يقول الدكتور سيد عزام، استشاري أمراض الجهاز الهضمي، إن القولون أو الأمعاء الغليظة تعتبر آخر جزء من الجهاز الهضمي، وتتمثل وظيفته الرئيسية في التعامل مع الفضلات غير المهضومة والتخلص منها، فهو يتلقاها بشكلها السائل ويقوم بامتصاص الماء منها ما يمنحها قواماً أكثر صلابة استعداداً لطرحها خارج الجسم، من خلال المستقيم، وتشمل قائمة مشاكل القولون بعض الحالات مثل الأخماج والالتهابات والرُتاج، ومتلازمة القولون العصبي، والإمساك، واضطرابات التبرز والإسهال والسلس و«السلائل» والسرطان، فضلاً عن مجموعة من الأمراض التي تصيب فتحة الشرج والمستقيم مثل: البواسير، والشقوق الشرجية، والخراجات، والنواسير، وتُسمى بعض هذه الحالات بالاضطرابات الوظيفية التي تعتبر أكثر الإصابات شيوعاً، حيث لا يكون فيها القولون بحالة طبيعية بالإضافة إلى أنه لا يؤدي وظائفه بشكل سليم.

أعراض متعددة

يوضح د.سيد أن أي تغير في عادات التبرز عادة ما يُشير إلى وجود مشكلة في القولون، وتتمثل في الإمساك، والإسهال، وآلام البطن والشعور بامتلائها، والانتفاخ، والتشجنات، ونزف المستقيم، وصعوبة التبرز وتورم المنطقة الشرجية وغيرها، ويُمكن للشخص في حالات معينة أن يشعر بأعراض عامة كالإرهاق والوهن (فقر الدم)، أو فقدان الوزن والحمى وآلام الظهر والآلام العضلية ونوبات الصداع، بينما يُبلّغ آخرون عن معاناتهم مشاكل في البشرة والمفاصل أو العين. ومن ناحية أخرى، تُعتبر الاضطرابات الوظيفية والنوبات القصيرة من الالتهاب، إحدى المشاكل الشائعة للقولون، ويوصي الخبراء إجراء بعض الفحوص في حال استمرار هذه العلامات المرضية، للتأكد من وجود حالات مثل داء الأمعاء الالتهابي (التهاب القولون وداء كرون)، والرُتاج (أكياس في القولون)، أو الأخماج والسلائل والسرطانات، وكذلك عدم الإصابة ببعض الحالات الشائعة مثل البواسير والشقوق والنواسير، ومشاكل العاصرة الشرجية وغيرها، قبل طلب إجراء أي فحوص إضافية.

وسائل تشخيصية

يفيد د.سيد بأن تشخيص المشكلات المرضية للقولون تتم بناءً على اطّلاع الأخصائي على الخلفية الصحية التفصيلية للمريض، والفحص السريري، ثم إجراء بعض التحاليل للدم والبراز وتصوير البطن بالموجات فوق الصوتية، والأشعة السينية، أو التصوير المقطعي المحوسب أو الرنين المغناطيسي، وربما تتطلب الحالة عمل تنظير للأمعاء الغليظة، الذي يُعتبر الفحص الأساسي لتقييم حالة القولون والجزء الأخير من الأمعاء الدقيقة، ويُتيح التنظير إجراء اختبار شامل للجانب الداخلي من القولون، فضلاً عن أخذ بعض الخزعات من البطانة الداخلية، أو من الآفات غير الطبيعية التي يحتمل العثور عليها، كما يسمح تنظير القولون بإزالة السلائل.

إجراءات علاجية

يؤكد د.سيد أن العلاج الدوائي قصير الأمد كافياً للشفاء من بعض المشكلات المرضية التي تصيب القولون، بينما تتطلب بعض الحالات مثل داء الأمعاء الالتهابي، علاجاً طويل الأمد، والاستعانة بآراء فريق من الأطباء متعددي التخصصات لتحقيق أكبر قدر من الفائدة، كأخصائي التغذية، والطب النفسي السريري والممرضة المتخصصة وغيرهم، بالإضافة إلى أخصائي أمراض الجهاز الهضمي والجراحة، ويتم عادة إزالة السلائل الصغيرة ومتوسطة الحجم بشكل آمن عن طريق تنظير القولون، أما السرطانات والأورام الأكبر حجماً تحتاج لتدخل جراحي لاستئصالها، ويخضع المرضى للعلاج الكيماوي، وربما يتم اللجوء للعلاج بالأشعة عند الإصابة بسرطان المستقيم. ومن ناحية أخرى، تتطلب بعض حالات البواسير والخراجات والنواسير والشقوق إجراء تدخلات جراحية لعلاجها، بينما يُفضي مرض الرُتاج في القولون إلى مجموعة من المضاعفات التي تستدعي عملاً جراحياً إسعافياً.

القولون العصبي

يذكر الدكتور أحمد عبد الحميد أخصائي الأمراض الباطنية أن القولون العصبي هو خلل وظيف
ي يمكن أن يؤدى إلى مجموعة من الأعراض المزمنة الخاصة بالجهاز الهضمي مثل ألم البطن، والانتفاخ، والإسهال أو الإمساك، والتي ربما تكون مصحوبة بإفرازات مخاطية مصاحبة للبراز، وعلى الرغم أن الغالبية العظمى من أعراض القولون العصبي تكون محتملة ومرتبطة بالوجبات، إلا أن شدة الأعراض ومعدل تكرارها تتفاوت من شخص إلى آخر، وربما تصل في بعض الأحيان إلى آلام مبرحة تتشابه مع بعض الحالات الجراحية في البطن، ولا يوجد حتى الآن سبب واضح للقولون العصبي، ولكن هناك مجموعة من الافتراضات للعوامل المسببة، ويعد أهمها حدوث خلل في التفاعل بين الإشارات العصبية والجهاز الهضمي، وتشوّه في البكتيريا الطبيعية الموجودة بالأمعاء، والعامل الوراثي أو الجينى، بالإضافة إلى بعض المشاكل والأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب.

فئة مستهدفة

يبين د.أحمد أن السيدات أكثر عرضة للإصابة بالقولون العصبي أكثر من الرجال، كما أن هذا المرض ينتشر بشكل أكبر بين الأشخاص تحت 45 سنة، وأيضاً عند وجود تاريخ عائلي بالمرض، وكذلك الأشخاص المعرضون لضغوط عصبية أو المصابون ببعض المشكلات النفسية، ويعتمد التشخيص في الأساس على مطابقة الأعراض الإكلينيكية لعلامات القولون العصبي، مع عمل فحوص لاستبعاد الأمراض الأخرى المتشابهة في أعراضها مثل حساسية الجلوتين، والعدوى
الطفيلية للجهاز الهضمي، وحساسية اللاكتوز، والتهاب القولون التقرحي، ومتلازمة سوء امتصاص الطعام، وبالتالي تكون هناك الكثير من الفحوص التي تتم إجراؤها لمريض القولون العصبي مثل فحص البراز، والأشعة التلفزيونية للبطن، ومنظار الأمعاء الغليظة، واختبار تحمل اللاكتوز وحساسية القمح.

تدابير وقائية

يؤكد د.أحمد أن القولون العصبي مرض غير خطير وليس له مضاعفات، ولكن لا يوجد له علاج جذري على الرغم من إمكانية السيطرة على أعراضه بشكل كبير، ولا يعتمد التخلص منه فقط على العلاج الدوائي الذي يستهدف تخفيف الآلام كمضادات التقلصات، والانتفاخ، وكذلك العقاقير المضادة للاكتئاب، وبعض أنواع المضادات الحيوية، ولكن هناك بعض النصائح الحياتية التي تساعد في تحسن الأعراض مثل:
* تجنب الأطعمة التي تؤدى إلى تهيج القولون، ويجب على كل شخص معرفة ما يناسبه حيث إنها تختلف من مريض لآخر.
* الإكثار من شرب المياه، وزيادة عدد الوجبات مع تقليل كمية الطعام في الوجبة الواحدة.
* ممارسة الرياضة بشكل منتظم، وتجنب السمنة وزيادة الوزن.
* الابتعاد عن مسببات التوتر والقلق مع أخذ قسط كافٍ من النوم المنتظم.

أورام سرطانية

يشير الدكتور سريناث دور، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي والكبد، إلى أن سرطان القولون يصيب الأمعاء الغليظة، التي تشغل الجزء الأخير من الجهاز الهضمي، وبشكل عام فهو يستهدف عادة البالغين أو المسنين، وتظهر أعراضه في البداية في شكل كتل صغيرة غير سرطانية من الخلايا تسمى الأورام، وتتشكل داخل القولون، ومع مرور الوقت يمكن أن يتسبب بعضها في الإصابة بالسرطان، ويتم ملاحظة الأورام صغيرة الحجم من خلال الفحوص، ويمكن أن تظهر أعراض بسيطة إن وجدت، ولذلك ننصح دائماً بإجراء اختبارات منتظمة للمساعدة في الوقاية من هذا المرض، والكشف عن هذه الأورام وإزالتها قبل أن تتحول إلى سرطان، وتشمل العلامات تغيراً مستمراً في عادات التبرز، بما في ذلك الإسهال أو الإمساك أو تغير في تناسق البراز وربما ظهور دم، أونزيف شرجي، كما يعاني بعض المرضى حدوث اضطرابات في البطن، مثل التشنجات، وخروج الغازات أو الشعور بالألم، وعدم إفراغ الأمعاء تماماً من الطعام، إلى جانب التعب والإرهاق وفقدان الوزن غير المبرر، ما يعرض المريض لمضاعفات مثل: انسداد الأمعاء، وانتشار السرطان في الأعضاء أو الأنسجة الأخرى (ورم خبيث).

فئات مستهدفة

ينبه د. سريناث إلى أن الإصابة بسرطان القولون تبدأ عندما يطرأ بعض التغيرات على الخلايا السليمة في القولون (طفرات) في الحمض النووي الوراثي، وعادة ما تنمو الخلايا السليمة وتنقسم بطريقة منظمة للحفاظ على أداء وظائف الجسم بشكل طبيعي، ولكن عندما يصاب الحمض النووي للخلية، ينتج عنه نمو غير منتظم للخلايا وتتحول إلى سرطانية، وتستمر الخلايا في الانقسام وتشكل ورماً، ولذلك ننصح بإجراء فحوص سرطان القولون في سن الخمسين بالنسبة للمعرضين إلى خطر متوسط للإصابة به، وفي وقت أبكر بالنسبة لمن لديهم خطر متزايد، وخاصة الذين لديهم تاريخ طبي عائلي مع هذا المرض، وأيضاً الذين يعانون الأمراض الالتهابية المزمنة مثل التهاب القولون التقرحي وداء كرون، وداء السكري، والنظام الغذائي منخفض الألياف، ونمط الحياة قليل الحركة، والسمنة.

وظيفة التنظير

يوضح د. سريناث أن القيام بتنظير القولون يتم عن طريق استخدام أنبوب طويل ومرن ونحيل مرفق بكاميرا فيديو وشاشة لعرض القولون والمستقيم بأكمله، وإذا عُثر على أي مناطق مثيرة للشك، يمكننا تمرير الأدوات الجراحية عبر الأنبوب لأخذ عينات من الأنسجة (الخزعات) لتحليلها وإزالة الأورام، وفي بعض الحالات نطلب إجراء تحليل للدم بحثاً عن أدلة حول الحالة الصحية بشكل عام، مثل اختبارات وظائف الكلى والكبد، كما يمكن أن نقوم بإجراء مسح كامل للجسم لبعض الحالات عن طريق التصوير المقطعي المحوسب والتصوير بالرنين المغناطيسي.
ويضيف: ينطوي العلاج عادة على عملية جراحية لإزالة السرطان، ويمكن التوصية بطرق أخرى، مثل العلاج الإشعاعي والكيميائي، وفي حال القيام بجراحة مبكرة، نقوم بإزالة الأورام أثناء تنظير القولون (استئصال السليلة)، وإذا كان السرطان طفيفاً وموضعياً، وموجوداً بالكامل داخل ورم، وفي مرحلة مبكرة جداً، يمكن إزالته تماماً أثناء تنظير القولون، ويمكن أن نقوم بجراحة طفيفة التوغل (جراحة تنظيرية) في بعض الحالات.

أغذية محظورة

تتفاقم العلامات المرضية للإصابة بالقولون العصبي عن طريق تناول بعض الأطعمة والعناصر الغذائية التي تحتوي على كمية كبيرة من البروتين، ما يؤدي إلى امتلاء البطن والشعور الدائم بوجود غازات، ولذلك يوصي الخبراء بالابتعاد عن هذه المأكولات والمشروبات لحماية المرضى من زيادة أعراض المرض، وتشتمل القائمة المحظورة القهوة والشاي وجميع المشروبات التي تحتوي على مادة الكافيين لأنها تعمل على تنشيط الأمعاء بشكل كبير، وتتسبب في الإسهال الشديد، وأيضاً الكحوليات التي تُحدث التهاباً شديداً في معظم الأعضاء الداخلية للجسم، وكذلك منتجات الألبان، والفاصوليا، واللحوم المصنعة، والمكرونة لأنها تحتوي على كمية كبيرة من مادة الجلوتين، بالإضافة إلى الأطعمة المقلية.