اضطرابات المناعة.. تسبب جفاف الفم والعينين

مقالات

تعد «متلازمة شوجرن» أحد اضطرابات الجهاز المناعي، والذي يعرف بأبرز عرضين يعانيهما المصاب؛ وهما: جفاف العين؛ والفم. ويصاحب هذه المشكلة عند الكثير من المصابين اضطرابات في الجهاز المناعي؛ مثل: الذئبة؛ والتهاب المفاصل الروماتويدي.
وتتأثر الأغشية المخاطية والغدد التي تفرز الرطوبة بالعين والفم أولاً، وهو ما يتسبب في انخفاض إنتاج الدموع واللعاب.
يزيد خطر الإصابة ب«متلازمة شوجرن» فيمن تجاوز سن الأربعين، بالرغم من أن أي سن قد يتعرض للإصابة بها، كما أن الرجال يصابون بشكل أقل من النساء، ولا يوجد علاج ناجع لهذه المتلازمة، ويركز العلاج على التخفيف من الأعراض التي يشكو منها المصاب؛ مثل: جفاف العين أو الفم.
ونتناول في هذا الموضوع مرض «متلازمة شوجرن» بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه المشكلة، وكذلك أعراضها التي تميزها عن غيرها، وطرق الوقاية الممكنة، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

جينات معينة

يصنف الأطباء «متلازمة شوجرن» بأنها من اضطرابات المناعة الذاتية؛ حيث يهاجم الجهاز المناعي خلايا وأنسجة الجسم بطريق الخطأ؛ وذلك حسبما نشر في موقع «ميد لين».
ويجهل الباحثون السبب الرئيسي وراء الإصابة بهذه الحالة، وإن كان هناك من يرجع زيادة خطر إصابة بعض الأشخاص بها إلى جينات معينة، مع ضرورة وجود آلية تحفيز أيضاً، كعدوي بأحد الفيروسات أو إحدى سلالات البكتيريا. وتستهدف المناعة في المصابين ب«متلازمة شوجرن» الغدد التي تصيب الدموع واللعاب أولاً، وبالرغم من ذلك يمتد التلف إلى أجزاء أخرى من الجسم، وتشمل الغدة الدرقية؛ والكليتين؛ والكبد؛ والمفاصل؛ والرئتين؛ والجلد؛ والأعصاب.
ويزيد خطر الإصابة لدى هؤلاء الذين تعدوا الأربعين من عمرهم، وإن كانت فرصة الإصابة متوافرة لمن هم أقل من ذلك.
وتعد النساء أكثر عرضة لهذا المرض من الرجال، كما أن المصابين بمرض روماتيزمي كالتهاب المفاصل الروماتويدي أو الذئبة – عرضة بشكل أكبر للإصابة بهذه المتلازمة.

العينان والفم

ويوضح موقع «ويب ميد» أن أعراض «متلازمة شوجرن» تراوح بين الخفيفة – والتي تقتصر على إصابة أغشية العينين والفم المخاطية – وحتى الأعراض الشديدة، والتي تصيب أجهزة الجسم وتنتشر به.
ويضيف الموقع أن العيون الجافة، وجفاف الفم يعتبران أبرز عرضين لهذه الحالة؛ حيث يشعر المصاب بجفاف في العينين، ويكون على شكل حرقان أو حكة، مع احمرار متكرر في اللحمية، كما يشعر وكأن في عينيه حبيبات رمل، وتتكرر إصابة العينين بالالتهاب، والذي لا يجدي معه العلاج.
ويشعر المصاب بجفاف في الفم، وكأن فمه مملوء بالقطن، وهو ما يتسبب في صعوبة البلع والتحدث.

ألم المفاصل

وتظهر كذلك فطريات وندوب فموية، ويعاني المريض تسوساً شديداً في الأسنان يكون خارجاً عن السيطرة، ويتسبب في ضرر شديد بالحنك. ويعاني المصابون بالحالات المتقدمة والخطرة من «متلازمة شوجرن» عرضاً أو أكثر، التي تشمل ألم المفاصل وتورمها وتصلبها، التي في الأغلب تصاحب الأمراض الروماتيزمية. وتتورم الغدد اللعابية، وبالذات تلك التي خلف الفك وأمام الأذنين، أو الغدة الدرقية أو النكافية، ومن الممكن أن يظهر بسبب هذا التورم تضخم على وجه المصاب.
وتشمل الأعراض أيضاً طفحاً جلدياً أو جفافاً في الجلد، وسعالاً جافاً، ويكون مستمراً، مع الشعور بالإجهاد الطويل.

الكلى والكبد

تصيب مضاعفات «متلازمة شوجرن» مختلف أجهزة الجسم، فمن الممكن أن تظهر في شكل خلل بعمل الكلى، أو اضطراب في الجهاز العصبي.
ويعد أكثر الأعضاء تأثراً بهذه المضاعفات الفم والعين، فتسوس الأسنان على سبيل المثال يعود إلى غياب اللعاب، والذي يعد من العناصر المساعدة في حماية الأسنان من البكتيريا.
ويزداد خطر الإصابة بمرض القلاع الفموي بالنسبة للمصابين بهذه المتلازمة، وهذا المرض عدوى الخميرة بالفم.
ويمكن أن يتسبب جفاف العينين في مشاكل في الرؤية لدى المصاب؛ وذلك نتيجة حساسية من الضوء، وتضرر القرنية.
وتؤثر بعض المضاعفات الأخرى، وإن كان بصورة أقل في الرئتين؛ حيث ربما أدت إلى الإصابة بالالتهاب الرئوي أو التهاب الشعب الهوائية. ويمكن أن تصيب المضاعفات الكلى، فتؤثر في أدائها، أو ربما أصابت الكبد بالالتهاب أو التليف الكبدي، كما أن نسبة قليلة للغاية من مرضى «متلازمة شوجرن» يصابون بسرطان الغدد الليمفاوية. ويمكن أن تؤثر المضاعفات في الأعصاب، فيشعر بخدر ووخز وحرقان في اليدين والقدمين، وهو ما يعرف باعتلال الأعصاب المحيطية.

أولي وثانوي

يوجد شكلان ل«متلازمة شوجرن»؛ الشكل الأولي، ويظهر كمرض بحد ذاته، والشكل الثانوي، ويصاحب المتلازمة أحد الأمراض الروماتويدية، كتصلب الجلد والتهاب المفاصل الروماتويدي.
ويجب ألا يستهين من يعاني مشكلة جفاف في العين، مع جفاف الفم؛ حيث تعد دليلاً على الإصابة ب«متلازمة شوجرن».

صعوبة التشخيص

يؤدي اختلاف أعراض «متلازمة شوجرن» من شخص لآخر في صعوبة تشخيص الحالة، إضافة إلى تشابه الأعراض مع أمراض أخرى، كما أن هناك آثاراً جانبية لبعض الأدوية تشبه أيضاً هذه الأعراض، ويمكن أن تساعد الفحوص في استبعاد الحالات الأخرى، والتأكد من الإصابة بهذه الحالة.
ويطلب الطبيب فحوصاً للدم؛ بهدف التحقق من مستويات الخلايا المختلفة، وكذلك إذا كان هناك أي أجسام مضادة؛ حيث إنها تنتشر عند المصابين بالمتلازمة. ويبحث من خلال هذه الفحوص عن أي دليل على الإصابة بحالات التهاب، وكذلك المؤشرات على أن هناك مشاكل في الكلى أو الكبد. وتجرى اختبارات على العين، يتم من خلالها قياس الجفاف؛ وذلك بفحص يعرف باختبار شريمر للدموع؛ حيث يضع قطعة ورق ترشيح صغيرة تحت الجفن السفلي يقيس بها إفراز الدموع.

فحص العين

يمكن أن يفحص مختص العيون سطح العين، مستخدماً جهازاً يُسمى ب«المصباح الشقي»، وربما وضع قطرة بالعين، حتى تتضح رؤية التلف الذي حدث في القرنية.
ويستعين الطبيب باختبارات التصوير؛ وذلك حتى يتحقق من وظيفة الغدد اللعابية، فيجري تصويراً للقناة اللعابية؛ من خلال الأشعة السينية الصبغية، ويتم حقنها في الغدد اللعابية أمام الأذنين، وعن طريق هذا الاختبار تتضح كمية اللعاب المتدفقة في الفم.
ويجري تصوير ومضاني للغدد اللعابية، بواسطة حقن نظير مشع في الوريد، ومن ثم تعقبه على مدى ساعة، حتى يعرف مدى سرعة وصوله إلى جميع الغدد اللعابية لدى المصاب.
ويمكن أن يقوم الطبيب بأخذ خزعة من الشفاه، ليتحرى عن وجود خلايا التهابية بها، وهي التي تؤكد الإصابة ب«متلازمة شوجرن»؛ حيث تتم إزالة شظية من نسيج الغدد اللعابية في الشفاه وتفحص تحت المجهر.

وقف الأعراض

يهدف علاج «متلازمة شوجرن» إلى السيطرة على الأعراض التي يعانيها المصاب؛ وذلك لأنه لا يتوفر علاج ناجع لهذه المتلازمة.
ويشمل العلاج أدوية وتدخلاً جراحياً، وبصفة عامة فإن علاج الكثير من المصابين يعتمد على قطرات العين، التي تصرف دون توصية طبية؛ للتغلب على جفاف العين، وشرب كميات ماء أكبر من المعدل الطبيعي، بالنسبة لمن يعانون جفاف الفم.
وتشمل الأدوية التي يمكن أن يقترحها الطبيب؛ وذلك بحسب الأعراض التي يشكو منها المصاب، أدوية تخفض التهاب العين، وهي القطرات التي يوصي بها الطبيب؛ وذلك في الحالات المتوسطة والحادة من جفاف العين.

زيادة اللعاب

تتوافر أدوية تزيد من إنتاج اللعاب، وفي بعض الأحيان الدموع، غير أن تؤدي إلى آثار جانبية، كالتعرق وألم البطن والتبول الزائد والتورد. ويستفيد المصابون الذين يعانون بعض المضاعفات، كالتهاب المفاصل من العقاقير غير السترويدية المضادة للالتهابات، وكذلك أدوية التهاب المفاصل، ومن الضروري علاج العدوى الفطرية في الفم بمضادات الفطريات.
ويمكن أن تساعد جراحة إغلاق القنوات الدعمية، سد القناة الدمعية، وهي التي تصرف الدموع من العينين في تخفيف جفاف العين.
ويقوم الجراح بإدخال سدادات من الكولاجين أو السليكون في القنوات الدمعية؛ لتساعد المصاب في المحافظة على الدموع.

إجراءات للتخفيف

يمكن أن تخفف بعض الإجراءات من عدم الارتياح الذي يعانيه المصاب بسبب جفاف العينين، وتشمل هذه الإجراءات الدموع الصناعية والمواد المرطبة للعيون، والتي تأتي في شكل قطرات أو جل أو مرهم.
ويوصي الطبيب في بعض الأحيان باستخدام الدموع الصناعية التي لا تحتوي على مواد حافظة؛ لأنها ربما سببت تهيجاً في العينين.
ويجب ألا يستخدم المصاب المواد المرطبة للعين بنفس معدل استخدام الدموع الصناعية؛ وذلك لقوامها السميك، وربما أدت إلى تشويش الرؤية، كما أنها تتجمع على الرموش؛ لذلك فإن استخدمها يكون مساء.

إجراءات الوقاية

تكشف دراسة أمريكية حديثة، أن ارتفاع نسبة الرطوبة في الأماكن المغلقة، مع تقليل التعرض للهواء الشديد يمكن أن يساعد في الوقاية من حالة جفاف العينين والفم، فمثلاً يحبذ أن يبتعد المصاب عن الجلوس أمام المروحة أو مكيف الهواء، مع ارتدائه نلظارات أو واق للعينين أثناء الخروج.
وتشمل إجراءات الوقاية من جفاف الفم، الامتناع عن التدخين؛ لأنه يهيج الفم، ويتسبب في جفافه، ويساعد شرب رشفات من السوائل، وبخاصة الماء على مدار اليوم.
ويجب تجنب شرب القهوة أو المشروبات الحمضية كالكولا؛ لأن هذه المادة ربما سببت أضراراً في مينا الأسنان.
ويمكن أن يعزز مضغ العلكة الخالية من السكر في تدفق اللعاب، وبصفة عامة يجب التقليل من تناول الحلوى؛ لأن «متلازمة شوجرن» تزيد خطر الإصابة بالحفر السنية.
وتعود تسمية هذه المتلازمة إلى هنريك شوجرن طبيب العيون السويدي؛ حيث وصف أول حالة عام 1933؛ وذلك لأنه كان يعالج عدداً من النساء يشكين من آلام في المفاصل مع جفاف بالعيون والفم، ويطلق عليها «متلازمة الجفاف»؛ لأنه يصاحبها جفاف في الأغشية المخاطية.