آفات «الشبكية».. عوامل وراثية ورؤية ضبابية

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

الشبكية هي الطبقة الداخلية وأهم أجزاء العين التي توجد في الجزء الخلفي، وهي شعيرات دموية صغيرة ودقيقة تُرى بشكل مباشر، ووظيفتها رؤية تفاصيل الأشياء، كما تسمح بمرور الأكسجين والمواد المغذية إلى العين؛ ولأنها تتألف من أنسجة حساسة ورقيقة وتحتوي على عشر طبقات مكوّنة من الخلايا العصبية، فإنها تكون معرضة للإصابة ببعض الأضرار المرضية كضغط العين، والانسداد والتليف، واعتلال الشبكية السكري، وثقب البقعة الصفراء، والانفصال الشبكي، وعلى الرغم من أن هناك بعض الإصابات التي تستهدف الصغار؛ بسبب العوامل الوراثية أو اضطرابات تحدث عند الولادة فإن نسبة آفات الشبكية تظهر مع التقدم في العمر، وفي السطور القادمة يحدثنا الخبراء والاختصاصيون عن هذا الموضوع تفصيلاً وأحدث العلاجات المتطورة.
يقول الدكتور افيناش جوربكساني، استشاري جراحة طب العيون، إن الشبكية هي الطبقة الحساسة الخفيفة من العين، والتي تبطن الجزء الداخلي، وتقوم بتحويل الضوء الداخل إلى العين إلى إشارات كهربائية تسافر إلى مركز البصر في الدماغ عبر العصب البصري، حتى يتمكن الشخص من رؤية الصور والأشكال التي ينظر إليها، وهي جزء معقد مصنوع من عدة أنواع مختلفة من الأعصاب والأوعية الدموية؛ ولذلك فإن أي ضرر يؤذي الشبكية يمكن أن يتسبب في فقدان البصر، ومن أكثر الآفات الشائعة هي مرض السكري وخاصة في حال عدم ضبطه، والضمور البقعي المرتبط بتقدم العمر، والالتهابات، والعدوى، ويمكن للشبكية المنفصلة والعوامل والاضطرابات الوراثية أيضاً أن تؤدي إلى حدوث مشاكل شديدة في الرؤية.
ويكمل: هناك بعض العلامات التي ترافق إصابات الشبكية مثل: ضبابية الرؤية وصعوبات في القراءة، وربما تشير الأضواء الوامضة التي تشبه وميض فلاش الكاميرا، ورؤية الظلال أو النقاط السوداء أو خيوط العنكبوت السوداء الناتجة عن النزيف إلى تمزق الشبكية أو انفصالها، وتختلف الأعراض باختلاف المشكلة؛ ولذلك يُنصح بعدم الإهمال وزيارة الطبيب المختص عند الشعور بأي تغيير مفاجئ بالنظر لفحص العين.

تشخيص وعلاج

ويوضح د. افيناش أن تشخيص أمراض الشبكية يتم عادة من قبل طبيب عيون مختص، من خلال فحص دقيق ومباشر لشبكية العين بعد وضع قطرات لتوسيع الحدقة، وهناك أيضاً دور مهم لتصوير الشبكية بشكل مباشر أو عن طريق إجراء مسح مقطعي لطبقات الشبكية، إضافة إلى التصوير الملون، وأيضاً الأوعية الدموية باستخدام الملونات الظليلة، وكذلك تصوير الشبكية بالأمواج فوق الصوتية، وتخطيط الشبكية الكهربائي.
ويضيف: إن تحديد نوع العلاج المناسب للحالة يتم بعد الفحص ومعرفة السبب المباشر للمشكلة، ومن أهم وأبرز الأنواع الشائعة هو الحقن في العين، والعلاج بالليزر والجراحة، وتجدر الإشارة إلى أن مشكلات الشبكية يسهل علاجها بنسبة نجاح كبيرة في حال تم اكتشافها مبكراً، ولابد أن يحرص مرضى السكري على إجراء فحص منتظم لشبكية العين وبشكل دوري.

اعتلال الشبكية السكري

ويذكر الدكتور عمار صفر، استشاري طب العيون وجراحة الشبكية، أن اعتلال الشبكية السكري هو مرض ناتج عن تأثير ارتفاع السكر في الدم، وعدم ضبطه لعدة سنوات، ما يؤدي إلى استحالات في تركيب الشبكية، ولا يصيب هذا المرض بالضرورة كل المرضى الذين أصيبوا بداء السكري وإنما الأشخاص الذين لا يراقبون تطورات داء السكري لعدة سنوات، وتعد أهم أعراض اعتلال الشبكية السكري هي الضبابية في الرؤية، وعدم المقدرة على التركيز بسبب وجود انتفاخ في مركز الشبكية، ولا يمكن تحسين هذه الضبابية عن طريق النظارة الطبية وإنما تحتاج إلى علاج من قبل طبيب مختص، كما يعاني بعض المرضى غباشاً في النظر في حالة ارتفاع منسوب سكر الدم بنسبة عالية جداً، وينتج ذلك عن تغيير في شكل عدسة العين، أما في الحالات المتقدمة، فيمكن أن يشكو المريض من رؤية خطوط سوداء غامقة اللون تشبه خيوط العنكبوت، ويكون ذلك دلالة على حدوث نزيف في الشبكية؛ بسبب تطور الاعتلال السكري، وتحتاج هذه الحالة إلى علاج سريع من قبل طبيب مختص.

أسباب المشكلة

ويبين د.عمار أن السبب الأول والوحيد هو عدم الالتزام بضبط مستوى السكر في الدم لسنوات متعددة، وهذا ما أكدته مجموعة من الدراسات العالمية، التي أشارت إلى أن ضبط السكر بشكل صارم منذ البداية يؤدي إلى تجنب كامل المضاعفات بما فيها اعتلال الشبكية السكري؛ لذلك ننصح بالقيام بفحص الدم الدوري، والمحافظة على المستوى الطبيعي للسكر في الدم، ويتم التشخيص عن طريق زيارة طبيب عيون وشبكية مختص يقوم بتوسيع الحدقة وفحص قاع العين، ويستعين الطبيب بصورة مقطعية للشبكية أو بصور ملونة مع حقن مادة ظليلة، وهناك بعض المضاعفات التي يتعرض لها المريض عند الإصابة مثل:-
– فقدان الرؤية المركزية وعدم القدرة على تمييز الأشياء.
– إعتام عدسة العين أو المياه البيضاء وأحياناً أيضاً الجلوكوما أو ارتفاع ضغط العين.
– احتمال النزيف داخل العين وانفصال الشبكية في الحالات المتقدمة والمهملة، وتعد هذه الحالة أكثر المخاطر ويجب تفاديها إن أمكن.

تدابير شفائية

ويؤكد د. عمار أن هناك تطوراً هائلاً في علاج اعتلال الشبكية السكري حدث خلال العقد الماضي؛ حيث توجد الآن مواد دوائية يتم حقنها داخل العين، وينتج عنها تحسّن في النظر، وهذه الأدوية أحدثت ثورة في علاج اعتلال الشبكية السكري؛ حيث إننا الآن نستطيع تحسين النظر في معظم الحالات، وليس فقط منعه من التدهور مع مرور الوقت، ومن الضروري التنبيه هنا أن هذه العقاقير يجب حقنها بشكل متكرر وشهرياً في البداية؛ للحصول على النتيجة المرجوة منها، وأخذ جرعة واحدة فقط، ثم التوقف عن العلاج إذا كان لا يجدي أي نتيجة ملموسة، وتجدر الإشارة إلى التطوّر الكبير في مجال العلاج الجراحي للحالات المتقدمة لاعتلال الشبكية السكري؛ حيث يتم ترميم وعلاج انفصال الشبكية جراحياً عن طريق عمليات مجهرية يقوم بها طبيب جراحة الشبكية.

إصابات الصغار

يشير الدكتور نمير كافل حسين، استشاري طب عيون الأطفال، إلى أن الشبكية هي الطبقة النسيجية الرقيقة على الجدار الخلفي الداخلي في العين، وهى تتكون من ملايين الخلايا الحساسة للضوء وغيرها من الخلايا العصبية التي تتلقى المعلومات البصرية وترسلها من خلال العصب البصري إلى الدماغ، وتختلف أمراض الشبكية عند الأطفال اختلافاً كبيراً عن البالغين، فمنها اعتلال الشبكية عند الولادة المبكرة، المشكلات الموروثة والخلقية، والتهابات الشبكية، والحوادث والأورام؛ ولذلك فإن علاج هذه الأمراض عند الصغار يعتمد على التشخيص المبكر من خلال فحص العينين من قبل مختص أمراض عيون الأطفال؛ حيث يتوفر العلاج لبعض الحالات، وتتمثل أهداف العلاج في وقف أو استعادة أو تحسين البصر، ومنع ضعف الرؤية أو العمى.

الأطفال الخدج

ويوضح د. نمير أن الأطفال الخدج يولدون والشبكية ما تزال في طور النمو والتطور، وكلما كان الرضيع أصغر عند الولادة، زاد احتمال إصابته بالاعتلال الشبكي للأطفال الخدج، ولهذا السبب، يجب فحص هؤلاء الأطفال أسبوعياً لتشخيص المرض وعلاجه بصورة صحيحة وفي الوقت المناسب؛ حيث إن تأخير التشخيص والعلاج يمكن أن ينجم عنه حدوث انفصال الشبكية والعمى، كما يُنصح بالعلاج عند وصول المرض إلى مرحلة معينة، باستخدام الليزر؛ لمنع انفصال الشبكية وأحياناً عن طريق حقن العين بمثبطات عامل النمو البطاني الوعائي.

أمراض متعددة

وينبه د.نمير إلى أن هناك اضطرابات شبكية موروثة، تحدث للأطفال عند ولادتهم، وعلى سبيل المثال وأكثرها شيوعاً؛ هي:-
– التهابات الشبكية الصباغي التي تعد مجموعة من أمراض الشبكية الموروثة، وتؤثر في الخلايا واستجابتها للضوء، وتؤدي إلى ضبابية الرؤية، والعمى الليلي وفقدان البصر تدريجياً.
– داء ستار غاردت وهو مرض وراثي يحدث نتيجة تنكس الشبكية المبكر في الجزء المركزي لها، ويؤدي إلى فقدان الرؤية المركزية بشكل تدريجي.
– انشقاق الشبكية وهي حالة وراثية؛ حيث تنقسم شبكية العين إلى طبقات، وينجم عنها تناقص الرؤية المركزية والمحيطية.
– ليبرز الخلقي وهو مرض تنكس الشبكية الموروث والذي يتسبب بتذبذب العينين وتشوش الرؤية عند الأطفال حديثي الولادة.

حالات نادرة

ويفيد د.نمير بأن انفصال الشبكية من الحالات النادرة التي تصيب الأطفال نتيجة الحوادث، وقصر النظر، واعتلال الشبكية عند الأطفال الخدج، واضطرابات الشبكية الزجاجية الوراثية والتهاب الشبكية الوراثي، وتحتاج هذه الحالات بصورة عامة إلى التدخل الجراحي أو العلاج بالليزر أو بكليهما، كما تعد أورام الشبكية عند الأطفال أيضاً من المشكلات النادرة، وعلى الرغم من ذلك، فإن تشخيصها مبكراً وعلاجها سريعاً يحقق نسبة نجاح عالية، ومن أهمها ورم أرومة الشبكية أو الجذيعات الشبكية، وهو ورم سرطاني سريع النمو ومن علاماته ابيضاض الحدقة وانفصال الشبكية، ما يستدعي الفحص والعلاج السريع؛ حيث إن نسبة نجاح العلاج تصل إلى 95%.
ويضيف: إن علاج اضطرابات الشبكية الموروثة والخلقية يتضمن فحصاً شاملاً للعين، مع تصوير الشبكية، والتصوير البصري المقطعي التوافقي ومخطط كهربية الشبكية والاختبار الوراثي عن طريق فحص الحامض النووي، ولا يوجد علاج فاعل، ولكن هناك العديد من الأبحاث العلمية والتجارب على العلاج الجيني، وينصح الأطفال باستخدام النظارات الشمسية؛ للوقاية من أشعة الشمس إضافة إلى اتباع نظام غذائي متكامل.

ثقب البقعة الصفراء

يعوق وجود مجموعة من البقع السوداء في مركز العين الرؤية وتفاصيل الأشخاص والأشياء وعدم القدرة على ممارسة بعض العادات اليومية مثل قيادة السيارة والقراءة، ويعد ذلك دلالة على إصابة العين بثقب البقعة الصفراء إحدى مشكلات الشبكية، والذي يعد مجهول السبب حتى الآن، وهناك بعض الآراء الطبية التي تفيد بأنه ربما ينتج عن قصر النظر الشديد، أو يستهدف المصابين بداء السكري في المراحل المتقدمة، وتلفيات الشبكية، ويعتمد علاج ثقب البقعة على الجراحة؛ حيث يتم استئصال الزجاجية ونزع الأغطية الرقيقة وتنظيف العين بغاز يشبه الهواء، وتحقق هذه العملية نسبة نجاح عالية تصل إلى 80-90% في إجمالي الحالات.