“إدمان الأدوية”.. غضب وانعزال وأرق

مقالات

يعرف الدواء بأنه المادة التي تعالج مرضاً ما يصيب الإنسان أو الحيوان، كما تخفف من وطأته أو تقي منه، ويعمل الدواء على زيادة إحدى وظائف الجسم أو إنقاصها، ويجب أن يحصل أي دواء أو عقار على ترخيص قانوني بالاستخدام، وذلك عقب التأكد من عدم وجود أي أضرار يسببها جسدياً أو نفسياً.

تشمل الأدوية عدداً كبيراً وهائلاً، ولها تأثير كبير في الجسم، وكما أن للأدوية فوائد كبيرة، فإن لها آثاراً جانبية يمكن أن تؤدي إلى الوفاة، ومن هذه الآثار إدمان الأدوية.

ويمكن تعريف مشكلة إدمان الوصفات الطبية بأنه حالة من التعلق النفسي والسلوكي، دون أن تكون هناك حاجة إلى هذا الأمر.

ونتناول في هذا الموضوع مرض إدمان الأدوية بكل أشكاله، وكذلك العوامل والأسباب التي تساعد على ذلك، إضافة إلى الأضرار التي تسببها، وطرق التخلص من هذا الإدمان وأساليب علاجه.

تغير نشاط المخ

توضح دراسة فرنسية حديثة أن إدمان الدواء يعتبر أحد أخطر أنواع الإدمان، حيث تشير كثير من الأبحاث إلى أن الاستهتار في تناول العقاقير الطبية من دون استشارة طبية، أو تناول كميات أكبر من الجرعة الموصوفة، أو لمدة أطول يؤدي إلى إدمانها، ولذلك فإن كثيراً ممن يدمنون العقاقير لا يعرفون حقيقة هذا الأمر إلا في وقت متأخر.

ويمكن للأدوية التي يقررها الطبيب بهدف علاج مشكلة مرضية معينة أن تتسبب في حدوث اضطراب في نشاط المخ، ومن ثم تؤدي إلى الإدمان.

وتشمل قائمة الأدوية والعقاقير التي يمكن أن تسبب الإدمان بسبب سوء الاستخدام مشتقات الأفيون، والتي توصف لمن يعانون آلاماً حادة، وأيضاً مثبطات الجهاز العصبي المركزي، وهي توصف لاضطرابات النوم وعلاج القلق.

ويحتاج مدمن الأدوية عند تلقي العلاج إلى 3 مراحل، والتي تبدأ بتخليص الجسم من السموم التي به، ثم علاج نفسي ودوائي، ويجب أن يتزامن الاثنان معاً، وذلك للمساعدة في سرعة الشفاء.

الحالة الاقتصادية

يرجع إدمان الأدوية إلى مجموعة من الأسباب، ويأتي في أولها الظروف التي تحيط بالشخص، والتي ربما ساعدت على إدمانها.

وتشمل هذه الظروف الحالة الاقتصادية والضائقة المالية، ووجود مشاكل وخلافات أسرية، ومن الممكن أن يؤدي العمل بشكل مفرط، أو الإرهاق إلى إدمان الأدوية، ويلعب الأصدقاء دوراً كبيراً في هذه الحالة.

ومن أكثر الفئات تعرضاً لإدمان الدواء الإناث وكبار السن والمراهقون، كما أن وجود تاريخ وراثي في العائلة يزيد من خطر التعرض لهذه الحالة، ويعتبر مدمنو الخمور عرضة بشكل كبير للوقوع فريسة لها النوع من الإدمان.

للجينات دور

يمكن أن يؤدي احتياج الشخص إلى تناول مسكن للآلام فترة طويلة – بسبب أحد الأمراض – إلى إدمان هذا الدواء، وكذلك عند الإصابة بالاكتئاب، أو لأصحاب النظرة السلبية للنفس، وربما أيضاً للمصابين بالسمنة المفرطة.

وتشير مجموعة من الدراسات إلى أن للجينات دوراً كبيراً في إدمان الأدوية، وربما كان السبب هو شعور المدمن بالمتعة عند تناوله للدواء، وذلك لأن به مواد كيميائية ترتبط بمستقبلات الدماغ، بدلاً من النواقل العصبية.

وتنقل هذه المواد الكيميائية الأوامر العصبية من الدماغ إلى بقية أعضاء الجسم، ويتسبب حدوث خلل في الرسالة العصبية في الشعور بالمتعة، وبالتالي الإدمان.

أنواع الأدوية

يوجد عدد كبير من العقاقير والأدوية التي تسبب الإدمان، ويأتي على رأسها المسكنات وأدوية الاكتئاب، وتحتوي هذه العقاقير على تركيبات كيميائية تتفاعل بشكل مباشر مع العصبونات خلايا نقل الإشارات، وهي بمثابة حلقة وصل بين مختلف خلايا المخ، ولذلك فتأثيرها يشبه نفس التأثير الناتج عن تدخين الحشيش.

ويختلف تأثير التركيب الكيميائي لهذه الأدوية على وظائف خلايا المخ، وفي الأغلب تؤدي إلى اضطراب في مستويات الدوبامين والسيروتونين.

وتتواجد هذه المواد الكيميائية في خلايا المخ، ووظيفتها الإحساس بالفرحة والتمتع وزيادة العاطفة، ولذلك يمنح تناول هذه الأدوية الشخص إحساساً غير حقيقي بالانتشاء، وهو الأمر الذي يتسبب في إدمان الأدوية.

وتعتبر أكثر الأدوية تسبباً في الإدمان – وذلك بحسب الدراسات – مسكنات الألم القوية، حيث إن لها أثراً مباشراً في الخلايا العصبية، ويؤدي الإفراط في تناولها إلى إدمانها، وبخاصة الأدوية التي يدخل في تركيبها مشتقات الأفيون أو المورفين.

مضادات الاكتئاب

تأتي مضادات الاكتئاب تالية للمسكنات، وذلك نتيجة التأثير المباشر لها في السيروتونين، وهو هرمون مسؤول عن الشعور بالسعادة والمتعة، ولذلك فإن من أعراض انسحاب هذه المواد الإحساس بالضيق والتوتر، وهو ما يتسبب في استمرار المدمن في تعاطي هذه العقاقير.

ويلي المسكنات ومضادات الاكتئاب المهدئات والمنومات، وتوصف هذه العقاقير لمن يعانون اضطرابات النوم، وكذلك المصابون بالأرق الحاد، ويكون تأثير هذه الأدوية في الجهاز العصبي المركزي مباشرة.

ويعتبر آخر القائمة الأدوية المنشطة، وهي تستخدم في علاج أمراض الجهاز العصبي، وعلى الأخص فرط الحركة وقلة الانتباه، كما أن لها استخداماً أحياناً في علاج السمنة.

ويجب الانتباه إلى أن تناول هذه الأدوية لا يعني بالضرورة إدمانها، وإنما الإدمان هو أثر جانبي للإفراط في تناولها، أو بسبب سوء استخدامها، وذلك كأن يتناول المريض جرعة أكبر من المحددة له، أو دون الرجوع للطبيب.

أعراض متشابهة

يؤكد الأطباء أن أعراض إدمان الأدوية تتشابه بشكل كبير مع إدمان المواد المخدرة، وتشمل هذه الأعراض استمرار الشخص في تناول الدواء دون حاجة ملحة لذلك، وهو ما يطلب المزيد من الدواء، بهدف الحصول على على الشعور بالراحة.

ويصاب الشخص عند الانقطاع عن الدواء الذي أدمنه بحالة من الضيق والتوتر، وفي بعض الأحيان الألم، ويكون مزاج مدمن الدواء متقلباً،

كما أنه سريع الغضب وسهل الاستثارة.

ويميل في كثير من الأحيان إلى الانعزال والوحدة والانطوائية، كما أنه يشعر بحالة من الفتور الذهني والعضلي، ويعاني من اضطرابات النوم، والتي تتمثل في نوبات مستمرة من الأرق أو حالة دائمة من النعاس.

مؤشرات سلوكية

وتوجد بعض المؤشرات السلوكية التي تدل على الإصابة بالإدمان، كإهمال المدمن لنظافته الشخصية ومظهره العام، والإهمال في التزاماته المختلفة سواء كانت عملية أو اجتماعية، وفرط النشاط واليقظة، والارتباك.

ويكون حريصاً على أن يكون الدواء قريباً منه، فهو يحمله في حقيبته الشخصية أو السيارة، ويشتري من هذا الدواء كميات أكبر من المعتاد.

وتظهر على المدمن مجموعة من الأعراض الصحية، كفرط التعرق والتبول المتكرر، والقيء والغثيان، والإسهال، والدوار والأرق، ومن الممكن أن يتعرض لمخاطر صحية، بسبب تجاوز الجرعات المحددة، وفي مقدمتها الإصابة بالتسمم.

ثلاث مراحل

يشترك إدمان الأدوية مع إدمان المخدرات في طبيعة الأعراض الانسحابية، والتي ربما وصلت إلى حد نوبات الصرع والتشنجات العضلية، ولا يوجد علاج واحد لكل المدمنين، لأنه يختلف باختلاف الدواء، واستجابة الجسم له، ويشمل العلاج برامج لتخليص الجسم من السموم التي تراكمت بداخله، والعلاج النفسي، وأخيراً العلاج الدوائي.

وتبدأ المرحلة الأولى من علاج إدمان الأدوية بتخليص الجسم من رواسب العقاقير بشكل تدريجي، وتختلف مدة هذه المرحلة، وذلك بحسب نوعية الدواء، وقوة المادة الفعالة التي تدخل في تركيبه.

ويخفض الطبيب في أول 3 أيام جرعة الدواء الإدماني بما يتراوح من 25% إلى 30%، ثم تخفض النسبة كل بضعة أيام بمقدار لا يقل عن 15%، وذلك وفقاً لاستجابة المريض واستقرار حالته الجسمانية والنفسية.

ويمكن أن تُستخدم مجموعة من العقاقير العلاجية في المراحل الأولى، والتي تلعب دوراً في جعل المريض على درجة من الاستعداد النفسي لتلقي العلاج.

وتساعد كذلك في التقليل من حدة الأعراض الانسحابية المؤلمة، وتعتبر أهم هذه المجموعة الأدوية المضادة للاكتئاب وأيضاً مضادات الصرع.

الرعاية النفسية

تشتمل مراحل علاج إدمان الأدوية على الرعاية النفسية، والتي تهدف إلى تأهيل المريض نفسياً حتى يستجيب بصورة أسرع للبرنامج العلاجي، وذلك لأن رغبة المريض في التخلص من الإدمان لا تتجاوز 50% من فاعلية العلاج.

وتهدف جلسات العلاج أيضاً إلى السيطرة على السبب وراء إدمان الدواء، وذلك ما لم يكن هناك سبب عضوي، كما أن العلاج النفسي يشعر المدمن بقدرته وقيمته، ويساعده في استرداد الثقة، ويؤهله للانخراط في المجتمع مرة أخرى.

وتتزامن جلسات العلاج النفسي مع البرنامج الدوائي، وذلك لأنها تساعد المريض على التخلص من الأسباب وراء إدمان الأدوية.

نصائح للوقاية

تقدم دراسة أمريكية حديثة مجموعة من النصائح بهدف الوقاية من الإصابة بمشكلة إدمان الأدوية، والتي تبدأ بالتزام المريض بزيارة الطبيب بناء على تعليماته، وذلك لتقييم الحالة والتعرف إلى آثار العقاقير، لأن هناك أدوية تحتاج إلى تغيير الجرعة أو الدواء نفسه.

وتوجد أنواع أخرى من الأدوية يوصي الطبيب بإيقافها أو تغيير جرعتها، حيث يمكن أن تسبب أعراضاً إدمانية لبعض الأشخاص.

ويجب على المريض عدم تغيير جرعات الدواء من نفسه، والالتزام بتعليمات الطبيب بخصوص الجرعة التي يتناولها، مع الالتزام بالتحذيرات التي تصاحب أي دواء، وبخاصة تلك المتاحة من دون وصفة طبيب.

ويمنع أخذ أدوية موصوفة لشخص آخر، لأن كل حالة مرضية لها ظروفها وملابساتها، والطبيب هو الوحيد القادر على تحديد الدواء لها.

وينصح كذلك بتدوين الأعراض النفسية والجسدية التي تظهر على المريض، عندما يتناول الدواء وبخاصة في الأيام الأولى.