فيروس الحصبة.. يمحو الذاكرة المناعية لدى الأطفال

مقالات

يقول العلماء إن الحصبة تقضي على الجهاز المناعي للأطفال وتتركهم عرضة للإصابة بأنواع قاتلة من البكتيريا والميكروبات.

وكشفت دراسة شملت 26 طفلاً لم يتلقوا التطعيمات اللازمة ومصابين بالحصبة، أن العدوى الخطيرة أعادت ضبط نظام الدفاع الداخلي لأجسامهم، ما يعني أن المقاومة التي طورتها أجهزتهم المناعية ضد الأمراض الأخرى قد مُحيت تماماً.

يقول الباحثون إن مرض الحصبة، والذي يمكن الوقاية منه عبر لقاح MMR، أعاد النظام المناعي لدى الأطفال إلى نقطة الصفر، مثلما كان عليه الأمر عند حديثي الولادة.

وسيؤدي هذا الاكتشاف إلى زيادة الطلب على التطعيمات الإلزامية، حيث تشير الأرقام إلى انخفاض معدلات التلقيح في العالم، حيث قالت وكالة اليونسيف في إبريل الماضي أن أكثر من 20 مليون طفل في جميع أنحاء العالم لم يتلقوا اللقاحات اللازمة للحصبة سنوياً خلال السنوات الثماني الماضية، في حين قالت هيئة الصحة العامة في إنجلترا إن طفلاً من بين كل سبعة أطفال، أي حوالي 500 ألف طفل، لم يتم تحصينهم ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية.

ويأتي ذلك وسط حركة ضد التطعيم تغذيها دراسة أثبت عدم صحتها، تشير إلى أن تطعيمات الحصبة تتسبب بمرض التوحد.

ويموت معظم الأطفال المصابين بالحصبة بسبب المضاعفات الناجمة عن البكتيريا المعدية.

ويصيب الالتهاب الرئوي الحاد واحداً من بين 20 مصاباً بالحصبة، في حين يصاب آخرون ببكتيريا معوية خطيرة، بينما يصاب واحد من بين 10 أطفال بالتهابات الأذن التي يمكن أن تؤدي إلى الصمم الدائم. ويعاني واحد من كل ألف شخص تقريباً تورماً في المخ، ما يؤدي إلى الوفاة أو تلف دائم في المخ.

فقد المناعة

وفي أحدث دراسة نشرت في مجلة «علم المناعة»، سعى الباحثون إلى فهم سبب قضاء فيروس الحصبة على خلايا الدم البيضاء اللازمة لمكافحة العدوى، ومن ثم عودتها إلى معدلاتها الطبيعية في الدم. ويقول العلماء إنه على الرغم من تماثل الشخص للشفاء، يبقى عرضة للأمراض المعدية الأخرى.

وقام الفريق المسؤول عن الدراسة، الذي ضم علماء من معهد ويلكم سانجر في كامبريدج، بأخذ عينات دم ل 26 طفلاً غير مطعّمين ومصابين بالحصبة، في بداية ونهاية الدراسة، ووجدوا أن هؤلاء الأطفال فقدوا أعداداً كبيرة من نوع معيّن من الخلايا المناعية التي كانت لديهم قبل المرض، وهذا الأمر أدى إلى إضعاف الجهاز المناعي لما يقرب من ثلثي الأطفال المشاركين في الدراسة، وعودته إلى ما كان عليه عند الولادة تقريباً، حيث مُحيت ذاكرته المناعية تماماً.

ويوضح الباحثون أن الأطفال غير المحصنين من الحصبة قد فقدوا المناعة ضد الأمراض التي تلقوا لقاحات لها في السابق، وقد يكون هؤلاء عرضة للإصابة بأمراض مثل الإنفلونزا والسل والسعال الديكي والدفتريا، وهي عدوى شديدة تصيب الأنف والحنجرة.

وفي تجربة أخرى، حقن العلماء قوارض بتطعيم ضد الإنفلونزا، ومن ثم عرّضوها لفيروس شبيه بالحصبة، لاختبار النظرية. وتبين لاحقاً أن الحيوانات لم تعد محمية من الإنفلونزا وأصبحت مريضة، مما يؤكد الفرضية.

مرض وبائي

وقال مايكل مينا، الباحث في جامعة هارفارد: «هذا أفضل دليل حتى الآن على أن الجهاز المناعي يمكن أن يفقد ذاكرته، ويمكن أن تؤثر الحصبة عليها على المدى الطويل. تخيل أن مناعتك لمسببات الأمراض تشبه حمل كتاب يحوي صوراً للمجرمين، ومن ثم قام أحدهم بتمزيق صفحاته، حيث سيكون من الصعب جداً التعرف إلى هيئة المجرم حتى لو رأيته».

وأضاف ستيفن إيلدج، أستاذ علم الوراثة والطب في جامعة هارفارد: «ندرك الآن أن الإصابة تمثل خطراً طويل الأمد على الصحة بسبب محو الذاكرة المناعية، مما يدل على أن لقاح الحصبة له فائدة أكبر مما كنا نعتقد في السابق».

وكانت الحصبة تقتل ما يصل إلى 2.6 مليون شخص كل عام قبل تطوير اللقاح، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وأدى التطعيم على نطاق واسع إلى خفض حصيلة الوفيات، إلا أن عدم الحصول على التطعيمات اللازمة ورفض اللقاح يعني أن الحصبة لا تزال تصيب أكثر من 7 ملايين شخص وتقتل أكثر 100 ألف كل عام في جميع أنحاء العالم.

معدلات التطعيم

ومن المتوقع أن تضع وزارة الصحة وهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية استراتيجية شاملة لتحسين معدلات التطعيم، حيث إن السلطات الصحية تعتزم حث الأطباء على الترويج لمخطط التطعيم الذي يشمل الأطفال وأولئك الذين تقل أعمارهم عن 25 عاماً، وتحديث المعلومات على مواقعها على شبكة الإنترنت لمعالجة مخاوف أولياء الأمور بشأن سلامة وفعالية هذه اللقاحات، خاصة باستخدام الأدلة العلمية للتصدي للادعاءات المضللة ودحضها، بالإضافة إلى التواصل مع مواقع التواصل الاجتماعية مثل «فيسبوك» و«تويتر» لمناقشة كيفية إيقاف المعلومات الخاطئة عن اللقاحات.

معلومات مغلوطة

في عام 1995، نشر الدكتور أندرو ويكفيلد، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي، دراسة في مجلة «لانسيت» الطبية، تبيّن أن الأطفال الذين تلقوا لقاح MMR (لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية)، كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض الأمعاء والتوحد. وادعى ويكفيلد أن حقن الأطفال بفيروس حصبة ميّت، يسبب اضطراباً في الأنسجة المعوية، مما يؤدي إلى الإصابة بمرض في الجهاز الهضمي والتوحد.

وبعد أن أكدت ورقة بحثية في عام 1998 هذه النتيجة، قال ويكفيلد: «إن خطر هذه المتلازمة (والتي أطلق عليها اسم الالتهاب المعوي القولوني المصاحب للتوحد) يرتبط باللقاح الثلاثي MMR».

وفي ذلك الوقت، حصل ويكفيلد على براءة اختراع للقاحات منفردة للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، وفي نهاية المطاف وجهت إليه تهمة تعارض المصالح.

ومع ذلك، تراجعت معدلات التطعيم بلقاح MMR

في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حتى عام 2004، عندما وصف رئيس تحرير مجلة «لانسيت»، ريتشارد هوتورن، أبحاث ويكفيلد بأنها ليست دقيقة ومملوءة بالادعاءات الكاذبة، مشيراً إلى أنه كان مدعوماً من مجموعة تريد رفع دعاوى قضائية ضد منتجي اللقاحات. وفي عام 2010، سحبت لانسيت بحث ويكفيلد. وبعد ثلاثة أشهر، منع المجلس الطبي العام ويكفيلد من مزاولة الطب في بريطانيا.

وكشفت الأبحاث العملية عدم وجود أي علاقة بين لقاح MMR والإصابة بالتوحد أو التهاب القولون، ما يدحض ادعاءات ويكفيلد.