«الشخصية المرتابة».. اضطراب يؤدي إلى الانفصال

مقالات

يعرف العلماء اضطراب الشخصية المرتابة بأنه خلل في تفكير المصاب، ما يدفعه إلى مجموعة من الخيالات التي يعيش فيها، ويسجن نفسه داخلها، وهو ما يؤدي إلى تفسيره لأبسط الملحوظات والتصرفات بشكل اندفاعي غير موضوعي، والهدف تأكيد شكوكه فيمن حوله.
يصاب من يعاني هذا الاضطراب بالارتياب المفرط، وجنون العظمة، كما أن الشخص تكون لديه حساسية مفرطة، ويمتاز بالعصبية والتوتر والاندفاع، ويميل إلى الشجار والعدوانية، وتنعدم ثقته في الآخرين، سواء المحيطين به أو غيرهم.
تظهر في الغالب أعراض هذا الاضطراب في مرحلة البلوغ، ولا يمكن للمصابين أن يعترفوا بمشاعرهم السلبية، وذلك بسبب الخوف من الاستغلال أو الخيانة، بل إنه كثيراً ما يعتقد المصاب بهذا الاضطراب أن سلوكه طبيعي، وتصرفاته منطقية.
ونتناول في هذا الموضوع اضطراب الشخصية المرتابة بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعراضها التي تميزها عن غيرها من الحالات المشابهة، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

أشهر الاضطرابات

يوضح موقع «سيكولوجي توداي» أن الإصابة باضطراب الشخصية المرتابة ترجع إلى مجموعة من العوامل، والتي تم تقسيمها إلى استعدادات وعوامل شخصية، وأخرى نفسية واجتماعية وبيئية وأسرية، بالإضافة إلى عوامل ترتبط بطرق التربية أثناء الطفولة.
ويعد هذا الاضطراب واحداً من أشهر الاضطرابات التي تنتشر حول العالم، وإن كانت الدراسات العلمية الحديثة تشير إلى أن الإصابة به أكثر انتشاراً في الرجال عن النساء.
ويمكن أن يتسبب في بعض المضاعفات للمصاب، والتي تبدأ من الانعزال والوحدة، وتصل إلى الفشل في تكوين علاقات، والانفصال لو كان متزوجاً، بالإضافة إلى وقوع بعض المصابين تحت طائلة القانون نتيجة لتصرفاتهم المتهورة.

3 مجموعات

يتصف المصاب باضطراب الشخصية المرتابة ببعض السمات الشخصية والتي تتسبب في حدوث هذه المشكلة، وتتطور تبعاً لنمو المصاب، في حين أن العوامل النفسية تتضمن الفشل، وإحباط المصاب، وعدم قدرته على النجاح سواء في العمل أو تكوين أسرة.
وتشمل العوامل البيئية والأسرية من يعيشون في جو أسري مشحون بكثير من الشك والارتياب وعدم الثقة، وتسلط الآخرين على الشخص، مع كثرة تعرضه للنقد والتهديد عند الوقوع في أي خطأ، حتى ولو كان عفوياً أو بسيطاً.
ويتضمن كذلك فقدان المصاب الإحساس بالأمان، ولذلك فهو ينعزل عن المجتمع، وهو ما يزيد من استعداد الشخص لهذا الاضطراب.

مشاعر الريبة

ونشر موقع «ويب مد» أن المصاب باضطراب الشخصية المرتابة تظهر عليه مجموعة من الأعراض والسمات، والتي تبدأ من مرحلة البلوغ، وتعتبر أبرز هذه السمات انعدام الثقة والشك ومشاعر الريبة في الآخرين، ولذلك يتم تفسير دوافع المصاب على أنها حاقدة، ويجب أن تتوافر في المصاب 3 أعراض على الأقل حتى يتم تشخيص إصابته بهذا الاضطراب.
وتكون لديه حساسية مفرطة للرفض أو الصد أو أي عقبة أو نكسة يتعرض لها، كما أنه يميل لحمل الضغينة بصفة مستمرة، ويجد صعوبة في أن يسامح من وجه له إهانة.
ويعاني المصاب حالة شك مستمرة في تصرفات الآخرين، والتي تمتد إلى زوجته، مع الغيرة عليها دون وجود داع، ومن الممكن أن يتهمها بالخيانة، وفي كثير من الأحيان ينتهي الزواج بالطلاق، ولديه سوء فهم بالنسبة للأفعال الصديقة أو المحايدة، حيث يفسرها على أنها عداء.
ويكون لديه استعداد للقتال والشجار، ويتمسك بحقوقه الشخصية بعناد، مع المقاومة والإصرار، مع نزعة مفرطة في شعوره بذاته، ربما وصلت إلى النرجسية.

شديد الذكاء

يعاني المصاب بهذا الاضطراب غيرة شديدة وشكاً في الآخرين، ويفسر تصرفاتهم من وجهة نظر شخصية، ويحاول كثيراً أن يتحقق من صدق تحليلاته، ويبحث عن أدلة لتأكيد ظنونه، وفي الحالات التي لا يجد لها مخرجاً، فإنه يختلق دليلاً.
ويميل إلى الانتقام الشديد، ولا يحتمل النقاش أو الجدال، ولذلك فهو يتصور أفكاراً يخدع بها الآخرين ونفسه في ذات الوقت.
ويكون المصاب بهذا الاضطراب شديد الذكاء، بشكل يفوق الوصف، ولديه ميل إلى التفاخر والتباهي بنفسه، وربما أصابته موجات من الغضب والاضطراب.
وينغص حياة المحيطين به، أو من يتعامل معهم، سواء في البيت أو العمل، ويفسر أي موقف على أنه اضطهاد له، ومن الممكن أن يتسبب في إيقاع غيره في مشاكل مختلفة، وذلك نتيجة لانتقامه وبسبب خيالاته المريضة.

حياة صعبة

تتسبب الإصابة باضطراب الشخصية المرتابة في جعل الحياة مع المصاب صعبة بشكل كبير، إن لم تكن مستحيلة، وبخاصة الزوجات، واللاتي يعانين الغيرة المفرطة والشك الدائم دون أي مبرر.
ويمكن أن يصل الأمر إلى الاتهام بالخيانة، وأن يختلق المصاب أحداثاً ووقائع لا أساس لها من الصحة أو وهمية، فمثلاًَ عندما يجد زوجته تحادث حارس العقار أو أحد الباعة، فإنه يعتبر ذلك دليل خيانة، وإن لم تنته العلاقة بالانفصال، فإن الأمور ربما تطورت إلى أن ينتقم من زوجته.
ويبتعد الناس عن المصاب بهذا الاضطراب، لأنهم يجدون صعوبة في التعامل معه، نتيجة عصبيته من ناحية، ومن جانب آخر إهانته الموجهة لهم وشكه الدائم، ولذلك تجد المصاب يعيش وحيداً، ولا يستطيع أن يكون أي صداقات.
ويتسبب هذا الاضطراب أحياناً بتورط المصاب في أعمال عنف، من الممكن أن تجعله يقع تحت طائلة القانون، وذلك بالرغم من أنه لا يترك دليلاً يدينه أو يثير فيه الشك.

صعوبة العلاج

يعتمد تشخيص الإصابة باضطراب الشخصية المرتابة على تقييم الطبيب النفسي للأعراض وبداية معاناة المصاب، ويضاف إلى ذلك أنه يجري فحصاً جسدياً كاملاً له، مع معرفة ما مر به خلال مرحلة الطفولة، ودراسته والوظيفة أو المهنة التي يمارسها، وعلاقاته.
ويمكن أن يقيس الطبيب رد فعل المصاب تجاه بعض المواقف، وذلك من خلال سؤاله عن طريقة الرد على موقف تخيلي، ومن ثم يبدأ بوضع خطة العلاج.
وتتسبب سمات اضطراب الشخصية المرتابة في صعوبة تلقي المصاب للعلاج، وذلك لأنه يشتبه في الطبيب المعالج، وبالتالي يجعل من الاضطراب حالة مزمنة، وعلى الرغم من أن العلاج يكون فعالاً للسيطرة على جنون العظمة.

دوائي ونفسي

يشتمل العلاج على شق دوائي وآخر نفسي، وإن كان هناك حالات لا يمكن أن يصف الطبيب لها أدوية، لأنها ربما زادت في شعور المصاب بالشك وبالتالي ينسحب من العلاج.
ويلجأ الطبيب إلى مضادات القلق مع الحالات التي تعاني القلق الشديد، وممكن أن يصف الأدوية المضادة للذهان، عندما يعاني المصاب التفكير الوهمي، لأنه ربما أدى إلى إيذاء نفسه والآخرين ويعتبر العلاج النفسي الأفضل بالنسبة لمريض اضطراب الشخصية المرتابة، وذلك لأن المصاب في الغالب يعاني مشاكل عميقة.
وتعتبر أقصى فائدة تتحقق من العلاج النفسي توفر علاقة بين الطبيب والمريض، على الرغم من صعوبة ذلك، بسبب الشك الشديد الذي يسيطر على من يعاني هذا الاضطراب، ولذلك فإنه من النادر أن يبدأ المصاب العلاج، وحتى عندما يبدأه فإنه ينهيه قبل الموعد المحدد.
ويوفر العلاج النفسي للمريض المساعدة في تعلم كيف يتعامل مع هذا الاضطراب، والطرق السليمة للتواصل مع الآخرين في مختلف المواقف، مع تقليل مشاعر جنون العظمة.

معارك قانونية

يمكن أن تؤثر الأفكار والسلوكيات التي يعانيها المصاب باضطراب الشخصية المرتابة في محافظته على علاقاته، بالإضافة إلى تأثيرها في العمل.
وتؤدي هذه الأفكار إلى أن المصابين ينخرطون في معارك قانونية، فيرفعون الكثير من الدعاوى ضد أشخاص وهيئات، ويعتقدون بإمكانية أن يربحوا هذه الدعاوى القضائية.
ويعد هذا الاضطراب من المشاكل الصحية المزمنة، وتختلف نسب الشفاء منه من شخص إلى آخر، ورغم ذلك فمن الممكن أن يتعامل البعض مع هذا الاضطراب بصورة جيدة، ويستطيعون الزواج والنجاح في العمل، ويمكن أن يتسبب مع آخرين في تعطيلهم تماماً عن مسيرة حياتهم الطبيعية.