داء السل.. رئة الصغار والكبار في خطر

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يستهدف داء السل الأشخاص في جميع المراحل العمرية صغاراً وكباراً، وتنشأ الإصابة عن وجود بكتيريا معدية تنتقل عن طريق الهواء بين الأشخاص ولقاءهم المتواصل، وينقسم إلى نوعين هما الكامن الذي تصاب به أغلبية الحالات، ولا تظهر له أي أعراض؛ حيث إن الجرثومة المسببة تستقر لفترات زمنية طويلة بداخل الرئة، أما النوع النشط فهو شديد المضاعفات ويهدد حياة الإنسان ولا يستجيب للعلاج بسهولة، وربما يتطور لسلالات متعددة أكثر خطورة.

تتمثل الأعراض العامة في السعال المستمر المشمول بالبلغم، وارتفاع درجة الحرارة، والشعور الدائم بالإعياء والتعب، وفي الماضي لم تكن السيطرة والتخلص من هذا المرض ممكنة، ولكن مع وجود التطعيمات اللازمة والعقاقير، أصبحت هناك نتائج فعالة للقضاء عليه، وفي هذا التحقيق يسلط الخبراء والاختصاصون الضوء على هذا الموضوع وكيفية الوقاية منه.

يقول الدكتور حربي درويش، مختص جراحة الصدر: إن السل الرئوي من الأمراض المعدية، التي تنتقل عن طريق ميكروب ناتج عن تلوث الهواء الذي يحمل رذاذ العطس والكحة من المصابين، وخاصة في الأماكن المغلقة ذات التهوية السيئة، أو الاحتكاك بالمرضى والتعامل معهم بشكل مباشر في المنازل، والمستشفيات، والمطاعم والمقاهي، ويعد أكثر الأشخاص عرضة للإصابة هم العمال نتيجة سوء الأحوال المعيشية ونقص التغذية، ما يؤدي إلى ضعف المناعة، وعدم القدرة على مقاومة الميكروب عندما يهاجم الجسم، وتظهر الأعراض على شكل ارتفاع في درجة الحرارة، والتعرق ليلاً، والكحة المزمنة مع خروج بلغم غير طبيعي ومختلطاً بالدم في بعض الحالات، وآلم في الصدر، وضيق في التنفس، وضعف الشهية، وفقدان الوزن، إضافة إلى الشعور بالتعب والإرهاق.

طرق تشخيصية

ويوضح د. حربي، أن تشخيص مرض السل الرئوي يتم عن طريق بعض الإجراءات، كأخذ التاريخ المرضى للمصاب، والفحص الإكلينيكي، وتحليل الدم، وفحص البلغم، وعمل أشعة للصدر لتوضيح مكان الإصابة، ومنظار القصبات الهوائية، وأخذ خزعات لتأكيد المرض. ويتمثل العلاج في تناول جرعة أدوية لمدة 6 إلى 9 شهور، مع وجود الاحتياطات اللازمة لعزل المريض عن الأشخاص الأصحاء واتباع نمط غذائي صحي. ويمكن تشخيص السل الرئوي الذي يصيب الغشاء البلوري للرئتين، ويتسبب بتجمع سوائل في التجويف البلوري، عن طريق أخذ عينات والخضوع للمنظار لشفط السوائل.

ويكمل: الوقاية تبدأ من التزام المريض بالإرشادات التي يصفها له الطبيب المعالج، بتناول الأدوية بانتظام، وغسل اليدين باستمرار، واستخدام كمامات خاصة لمنع الرذاذ الناتج عن الكحة والعطس، والحد من تلوث الهواء ونقل العدوى للآخرين، والابتعاد عن المناطق المغلقة ذات التهوية السيئة، وعلى الأشخاص المتعاملين مع مرضى السل أخذ الاحتياطات اللازمة للوقاية باستعمال الكمامات.

مضاعفات وعلاج

ويشير الدكتور جوني أفوكاران، مختص الطب الباطني، إلى أن أبرز مخاطر مرض السل الرئوي عند البالغين تتمثل في عدوى درنية بالمخ، وتشكل تجويف صغير الجدران، وتلف حاد في الرئة ويمكن أن تتفاقم المضاعفات إلى الإصابة بأورام خبيثة، وفطر الرشاشيات، وسرطان الرئة، والتهابات متكررة في الشعب الهوائية وتضيقها، وتشكّل الحصى فيها، إضافة إلى أمراض الشرايين والتي تشتمل على تكون العلق والتوسع والانتفاخ.

ويضيف: إن علاج مرض السل عند البالغين يعتمد على حصول المريض على العلاج وتناوله بالكامل ويشتمل النظام على مرحلة مكثفة تستغرق شهرين، تليها مرحلة احتواء تمتد ما بين 4 أو 7 أشهر، ويجب الالتزام التام بالإرشادات؛ حيث إن بكتيريا السل التي لا تزال حية ربما تصبح مقاومة للعقاقير، ويصبح علاجه أكثر صعوبة.

إصابة الصغار

وتذكر الدكتورة ديما الطرشة، أخصائيه طب الأطفال، أن داء السل هو أحد الأمراض الإنتانية، التي تنتقل عبر عدوى تسببها جرثومة تسمى «عصية السل» التي تجد في القطرات التنفسية والغدد اللمفاوية بيئة مناسبة لانتشارها عبر مجرى الدم، وفي الأغلب تصيب الرئتين، ويمكن أن تؤثر سلبياً في أعضاء الجسم الأخرى، ويستهدف هذا المرض عادة الأطفال بمختلف أعمارهم، لاسيما فئة الصغار دون ال 5 أعوام، فهم الأكثر عرضة للإصابة بالأشكال الشديدة للعدوى مثل السل الغضروفي، والتهاب السحايا، كما يمكن أن تتطور عدوى السل في هذه المرحلة العمرية بشكل سريع من العدوى الكامنة إلى المرض الكامل الفعّال، والذي ينتقل في معظم الحالات من خلال الاتصال الوثيق بين الصغار أثناء اللعب، أو ربما يكون عن طريق أحد الوالدين وهذا ما أثبتته الدراسات الموثقة أن حوالي 30% إلى 40% من إصابات الصغار بالمرض ترجع إلى عدوى من أفراد بالغين مصابين في عائلاتهم.

أنواع السل

وتشير د.ديما إلى أن مرض السل الرئوي عند الأطفال يتظاهر بالعديد من الأعراض والمضاعفات الشائعة مثل: السعال المزمن المتواصل لمدة تزيد على ثلاثة أسابيع، وارتفاع الحرارة لأكثر من 38 درجة مئوية لفترة تتجاوز الأسبوعين، فضلاً عن فقدان الوزن، أو الفشل في النمو عند بعض الحالات. أما السل خارج الرئة فتختلف علاماته باختلاف موقع المرض، ومن الأشكال المنتشرة له بين الصغار هو داء السل في الغدد اللمفاوية، والجهاز العصبي المركزي أو ما يسمى التهاب السحايا السلي، ومما لا شك فيه أن الأطفال بشكل عام، وخاصة من هم تحت عمر خمس سنوات يمثلون الشريحة الأكثر عرضة لخطر التطور السريع لأنواع من السل غير الرئوي.

وتضيف: هناك أشكال نادرة من الإصابة بالمرض في الفترة المحيطة بالولادة، وتشمل السل عند حديثي الولادة الذي يتطور بعد تعرض الرضيع لإفرازات تنفسية من الأم المصابة، والسل الخلقي وهذا الشكل نادراً جداً، ويرتبط غالباً بالتهاب بطانة الرحم السلي، أو إصابة الأم الحامل بالمرض.

اختبارات وفحوص

وتبين د.ديما أن هناك بعض الإجراءات للتأكيد من إصابة الصغار، وتتم بشكل رئيسي سريرياً أثناء الكشف عند الطبيب، ولم يتم إثبات التشخيص بالاختبارات المخبرية، لكنه يعتمد على وجود 3 معطيات وهي اتصال الطفل مع حالة مرضية معدية من الصغار أو الكبار المحيطين به، واستخدام اختبار الجلد أو فحص الغاما الانترفيرون كأداتين للكشف عن عدوى السل الكامنة، إضافة إلى التصوير الشعاعي للصدر أو الفحص السريري، ولابد من الإشارة إلى ضرورة التحري عند أخذ القصة السريرية عن وجود مصدر للعدوى مع مدة وتاريخ الاتصال وتوثيقه.

وتكمل: أما عن الموجودات الشعاعية الإيجابية لمرض السل فهو المعقد السلي الذي يعبّر عن وجود كثافة شعاعية مميزة في الرئتين، وله أهمية كبيرة في دعم التشخيص وتأكيد المرض، كما يمكن في حالات الأطفال الصغار استخدام فحص العصارة المَعديّة صباحاً لكشف وجود العصية السلية كإحدى الطرق المساعدة، الأمر الذي يستعاض عنه عند الأطفال الأكبر سناً بفحص القشع «البلغم»، أما الكشف عن السل خارج الرئة، فيتم عن طريق أخذ عينات للفحص والزرع من أي موقع يشتبه في إصابته بالعدوى للكشف عن عصية السل، ويُنصح في الحالات عالية عند الاشتباه في الإصابة إجراء تشخيص افتراضي بناء على الاستجابة السريرية والشعاعية للعلاج التجريبي، حتى في حال سلبية النتائج المخبرية.

تدابير شفائية

وتذكر د. ديما أن منظمة الصحة العالمية، ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، أكدت أن علاج السل عند الأطفال يتم عن طريق استخدام نظم الأدوية قصيرة المدى مع بقاء الصغير تحت الملاحظة المباشرة، لأن هذا النوع من الأمراض قابل للانتشار والعدوى سريعاً، ويسبب مضاعفات خطيرة، ما يحتّم بدء مرحلة الكشف عنه وثم العلاج فور الاشتباه في الإصابة. وتستخدم عادة مزيجاً من عدة مضادات حيوية، لفترات تتراوح ما بين شهرين إلى عشرة أشهر، ويجب تأكيد ضرورة إجراء متابعات دورية من خلال الصور الشعاعية خلال وحتى بعد انتهاء مرحلة الأدوية لتأكيد نجاح العلاج، كما يفضل تكرار اختبار الحساسية إذا كان المريض لا يزال مصاباً بالمرض بعد ثلاثة أشهر من انتهاء جرعة العقاقير، إضافة إلى تأكيد ازدياد أهمية تطعيم حديثي الولادة وفئة الطفولة المبكرة خلال الشهر الأول من العمر بلقاح السل للوقاية، والحد من انتشار عدوى السل وخاصة في البلدان التي تعد بيئة مناسبة لتفاقم المرض.

التهاب السحايا السلي

يعتبر التهاب السحايا السلي من الأمراض المنتشرة بين الأطفال، والتي يصعب تشخيصها، وتنجم الإصابة عن طريق بكتيريا السل التي تنشأ في الرئتين وتصل إلى غشاء الدماغ عن طريق الدورة الدموية، أو نتيجة انتقال رذاذ السعال أو العطس في الهواء من الأشخاص المصابين، وتتفاقم الأعراض خلال أسبوعين، وتظهر على شكل آلام في الرأس، وتصلب بمؤخرة العنق، واضطراب في حركة العين. وفي بعض الحالات، يمكن أن تؤثر سلباً ويتعرض المريض للغيبوبة، وتجدر الإشارة إلى أنه أحد أنواع مرض السل خارج الرئة ويمثل حوالي 5% من مجموع الحالات المرضية، ولذلك ينصح بارتداء كمامات على الوجه في الأماكن المزدحمة والمغلقة.