متلازمة «توريت».. حركات وأصوات لا إرادية

مقالات

تعتبر متلازمة توريت، خللاً عصبياً وراثياً، وتظهر في مرحلة الطفولة المبكرة، وهي جزء من مجموعة مشاكل التشنجات اللاإرادية، وتشمل أعراضها حركات تكرارية لاإرادية، وأصوات غير مرغوب فيها، وتكون بسيطة أو معقدة.

تكون هذه الأعراض خارج السيطرة، ومن أمثلة هذه الحركات والأصوات، أن يرمش المصاب بصورة متكررة أو يرفع كتفيه، أو يتكلم بكلمات مبتذلة أو يخرج أصواتاً غير معتادة.

وتظهر التشنجات اللاإرادية بين عمر من 5 إلى 7 سنوات، وتصبح أكثر حدة بين 8 إلى 12 عاماً، ويمكن أن تستمر حتى سن 18 عاماً، ويعد الذكور أكثر تعرضاً للإصابة بهذه المتلازمة من الإناث، ولا يعرف سبب دقيق وراء هذه الحالة، غير أن هناك مجموعة من العوامل الجينية والبيئية التي تؤدي إليها.

ونتناول في هذا الموضوع مشكلة متلازمة توريت بكل جوانبها، مع بيان العوامل والمسببات التي تدخل في ظهورها، وكذلك أعراضها التي تميزها عن غيرها من الحالات المتشابهة، وطرق الوقاية التي ينصح بها الباحثون، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة، والدراسات التي خاضت في هذا الشأن.

عوامل جينية وبيئية

توضح دراسة أمريكية، أن الإصابة بمتلازمة توريت، تعود إلى بعض العوامل الوراثية والبيئية، وذلك لأن السبب الأساسي وراء الإصابة لا يزال مجهولاً، وبحسب الدراسات الجينية فمعظم المصابين بهذه المتلازمة حالات جينية وراثية، إلا أنه لم يعرف بعد الجين المسؤول عن هذه الحالة.

وتؤثر عدة عوامل في درجة وحدة أعراض هذه المتلازمة؛ حيث أشارات الأبحاث إلى أن البيئة المحيطة بالمصاب تؤثر في شدة الأعراض، لكنها لا تؤدي إلى الإصابة بالمرض بصورة مباشرة.

وتتضمن العوامل المؤثرة كذلك الناحية النفسية والأمراض المعدية، ومن الممكن أن تؤثر في بعض الحالات مشاكل المناعة الذاتية.

الناقلات العصبية

وكشف الباحثون إمكانية ارتباط بعض أشكال الوسواس القهري جينياً بمتلازمة توريت، وهناك اعتقاد يسود لدى بعض الباحثين بوجود مجموعة فرعية من الوسواس القهري لها ارتباط قوي مع هذه المتلازمة.

ووجد لدى بعض المصابين، أن المواد الكيميائية في الدماغ، والتي تشمل الدوبامين والسيروتونين، وهي المسؤولة عن نقل نبضات العصب أو ما يعرف بالناقلات العصبية، ربما كان لها دور في الإصابة بهذه الحالة.

ويعتبر الجنس من عوامل زيادة خطر الإصابة بهذه المتلازمة، فبحسب الإحصاءات أن احتمال إصابة الذكور أكبر من الإناث بحوالي 4 مرات.

بسيطة ومعقدة

يعتبر العرض البارز لمتلازمة توريت هو الحركات أو الأصوات المفاجئة القليلة والمتقطعة التي يقوم بها المصاب، وتسمى بالعرات.

وتنقسم العرات إلى بسيطة وأخرى معقدة، فإما التشنجات اللاإرادية البسيطة فتكون مفاجئة، ومتكررة ومختصرة، وتشمل عدداً من العضلات المحدودة.

وتشمل التشنجات اللاإرادية المعقدة أنماطاً محددة، ومتناسقة من حركات العديد من مجموعات العضلات، وربما تضمنت العرات أيضاً حركات أو أصواتاً، وفي العادة فإن العرات الحركية تسبق العرات الصوتية، وتتنوع أطياف العرات التي يتعرض لها الأشخاص.

وتظهر على المصاب بمتلازمة توريت عرات حركية شائعة، في حالة التشنجات اللاإرادية البسيطة، كطرف العين وسرعة حركتها وانتفاض الرأس وهز الكتف، ونفضان الأنف وحركات الفم.

حركات متكررة

تتضمن التشنجات اللاإرادية المعقدة لمس الأشياء أو شمها، وحركات متكررة وملحوظة، ويمشي المصاب بنمط معين، أو أنه يقفز أو ينحني أو يلتفت، كما يقوم بإشارات بذيئة.

وتكون هناك أيضاً عرات صوتية منتشرة في المصاب بهذه المتلازمة، ففي حالة التشنجات اللاإرادية البسيطة تشمل الشخير والسعال والنحنحة والنباح.

ويكرر المصاب في حالة التشنجات اللاإرادية المعقدة كلمات من أمامه أوعباراته، كما يكرر كلمات وعبارات الآخرين، ويستخدم كلمات بذيئة أو فاحشة أو سيئة.

وتشترك العرات في مجموعة من الصفات، فهي متنوعة في النوع، وكذلك في التكرار والحدة، وتتفاقم عندما يكون المصاب متوتراً أو قلقاً، وأيضاً إذا كان متعباً أو متحمساً.

سيئة خلال المراهقة

تحدث هذه العرات أثناء النوم، وتتغير بمرور الوقت، وتكون سيئة خلال مرحلة المراهقة، في حين أنها تتحسن عند الانتقال إلى مرحلة البلوغ.

ويمكن أن يشعر المصاب قبل بداية العرات الحركية كانت أو صوتية بشعور جسدي غير مريح، كتوتر أو حكة أو ارتعاش، وربما تمكن بعض المصابين بعد بذل جهد كبير من إيقاف أو كبح العرة، وإن كان ذلك لوقت بسيط، ومع ملاحظة أن هذا الأمر يسبب لهم إجهاداً ذهنياً.

ويعتبر العمر الأكثر ظهوراً للتشنجات اللاإرادية بين 5 إلى 7 أعوام، ويمكن أن تستمر حتى سن 18 عاماً، وتشتد الأعراض بين 8 إلى 12 سنة.

مجموعة صفات

يركز تشخيص الإصابة بمتلازمة توريت بصفة أساسية على التاريخ المرضي والأعراض التي ظهرت على المصاب، وذلك لأنه لا يتوفر أي فحص أو تحليل مخصص للكشف عنها.

ويجب أن تتوفر مجموعة من المواصفات حتى يتم تشخيص الإصابة بهذه المتلازمة، ومن ذلك أن تحدث التشنجات الحركية والصوتية، وليس شرطاً أن يكونا في نفس الوقت.

وتحدث التشنجات لمدة لا تقل عن السنة، وتكون متكررة في اليوم الواحد، وتحدث على فترات منتظمة أو كل يوم، وذلك بحسب كل حالة.

وتكون بداية حدوث التشنجات قبل عمر 18 سنة، كما أنها ليست أثراً جانبياً لتناول أدوية أو مواد أخرى، أو بسبب أحد الأمراض المختلفة.

ويلاحظ أن المكان الذي تصيبه التشنجات يتغير بمرور الوقت، وكذلك عدد مرات تكرارها ونوعها، وشدتها وتعقيدها.

ويمكن أن يغفل البعض عن تشخيص متلازمة توريت، لأن أعراضها تتشابه مع أعراض حالات أخرى، وعلى سبيل المثال فإن طرف العين يمكن أن يكون بسبب مشاكل في الإبصار، وكذلك سيلان الأنف بسبب الإصابة بالحساسية، وتوجد كثير من الحالات الصحية التي تؤدي إلى تشنجات حركية وصوتية.

التحكم بالأعراض

يكون الهدف من علاج متلازمة توريت هو السيطرة في العرات اللاإرادية، والتي تتعارض مع أداء الأعمال والأنشطة اليومية، وذلك لأنه لا يوجد علاج لها، ويلاحظ أنه في الحالات الشديدة، فإن العلاج ليس ضرورياً.

ويتضمن العلاج أدوية تساعد المصاب على التحكم في التشنجات اللاإرادية، أو تقليل الأعراض ذات الصلة، ومن هذه الأدوية تلك التي تمنع الدوبامين أو تقلله.

ويجب الانتباه إلى أن لهذه الأدوية بعض الآثار الجانبية كزيادة الوزن والإصابة بالاكتئاب الحاد، وأيضاً القيام بحركات لاإرادية تكرارية.

ويمكن أن يساعد حقن العضلة المصابة بالبوتوكس في التقليل من التشنج اللاإرادي البسيط أو الصوتي، كما تساعد أدوية علاج اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط على زيادة التركيز والانتباه، إلا أن بعض المصابين بمتلازمة توريت يمكن أن تفاقم هذه الأدوية التشنجات اللاإرادية لديهم.

العلاج السلوكي

تعتبر المثبطات الأدرينالية المركزية من الأدوية المساعدة في السيطرة على الأعراض السلوكية، كنوبات الغضب، وفي العادة فإن هذه المثبطات توصف في حالات ارتفاع ضغط الدم، ومن الممكن أن تسبب النعاس لمن يتناولها كأحد الآثار الجانبية، كما أن مضادات الاكتئاب ربما تتحكم في أعراض القلق والحزن واضطراب الوسواس القهري.

وتتوفر أساليب علاج أخرى كالعلاج السلوكي، والذي يمكن أن يساعد المصاب في السيطرة على التشنجات اللاإرادية، ويتضمن تمرين عكس العادات، ومراقبة التشنجات اللاإرادية، وتعلم التحرك بصورة طوعية، وبأسلوب يتعارض مع التشنجات اللاإرادية.

التحفيز العميق للدماغ

يمكن أن يساعد العلاج النفسي على التعامل مع المشكلات المصاحبة، كالاكتئاب والقلق واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، وإضافة إلى ذلك، فإنه يسهم في أن يتأقلم المصاب مع متلازمة توريت.

ويساعد في بعض الحالات التحفيز العميق للدماغ، وذلك بالنسبة للحالات التي لا تستجيب للعلاجات الأخرى، ويتم في هذا العلاج زرع جهاز طبي في الدماغ، ويعمل ببطارية حتى يوصل التحفيز الكهربي إلى المناطق التي المستهدفة، وهي المتحكمة في الحركة.

ويجب الانتباه إلى أن التحفيز العميق للدماغ ما زال في طور التجربة، وفي حاجة إلى مزيد من البحث، للتأكد من أنه آمن وفعال في نفس الوقت.

عباقرة مصابون بالمرض

تشير دراسة بريطانية جديدة، إلى أن المصاب بمتلازمة توريت، يعاني حرجاً، وذلك بسبب الحركات اللاإرادية التي يقوم بها، مما يؤدي إلى تأثر ثقته بنفسه، وبالتالي يحجم عن المشاركة في أي نشاط اجتماعي، الأمر الذي يزيد خطر إصابته بالاكتئاب أو اتجاهه نحو إدمان المواد المخدرة.

وعرضت كثير من الأفلام السينمائية للذين يعانون متلازمة توريت في صورة غير اللائقين اجتماعياً، بسبب الحركات الصوتية اللاإرادية، وهو الأمر الذي وصمهم بالعار، وجعلهم ينعزلون عن المجتمع.

وتشير كثير من الدراسات إلى أن هناك بعض العباقرة الذين كانوا مصابين بهذه المتلازمة، ومنهم مؤلفون وأطباء ومعلمون ورياضيون وموسيقيون.

ويعد من أبرز هذه الشخصيات الأديب الإنجليزي صمويل جونسون، ولاعب كرة القدم الأمريكي تيم هوارد، والموسيقار العالمي موزارت.

وتعود تسمية هذا المرض إلى الفرنسي جورج ألبرت دي لا توريت، وهو أخصائي أمراض عصبية، وكان أول من وصف هذا المرض عندما نشر 9 حالات في 1885.